المقريزي
66
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
والذباب والعقارب وسائر الحشرات ، وكانت إذا جعلت في موضع اجتمع إليها ذلك الجنس ، ولا يقدر على مفارقة تلك الصورة حتى يقتل ، وكأنه يعمل أعماله كلها بصور درج الفلك وأسمائها ، وطوالعها فيتم له من ذلك ما يريده . وعمل في صحراء الغرب ملعبا من زجاج ملوّن في وسطه قبة من زجاج أخضر صافي اللون . فإذا طلعت عليه الشمس ألقت شعاعها على مواضع بعيدة وعمل في جوانبه الأربعة أربعة مجالس عالية من زجاج كل مجلس لون ونقش عليها بغير لونها طلسمات عجيبة ، ونقوشات غريبة وصورا بديعة كل ذلك من زجاج مطلق يشف ، وكان يقيم في هذا الملعب الأيام وعمل له ثلاثة أعياد في كل سنة . فكان الناس يحجون إليه في كل عيد ويذبحون له ويقيمون فيه سبعة أيام ، ولم يزل هذا الملعب تقصده الأمم فإنه لم يكن له نظير ، ولا عمل في العالم مثله إلى أن هدمه بعض الملوك لعجزه عن عمل مثله . وكانت أم مرقونس ابنة ملك النوبة وكان أبوها يعبد الكوكب الذي يقال له السها ويسميه إلها . سألت ابنها أن يعمل لها هيكلا يفردها به ، فعمله وصفحه بالذهب والفضة ، وأقام فيه صنما وأرخى عليه الستور الحرير ، فكانت تدخل إليه بجواريها وحشمها وتسجد له في كل يوم ثلاث مرّات ، وعملت لكل شهر عيدا تقرّب له قرابين وتبخره ليله ونهاره ، ونصبت له كاهنا من النوبة يقوم به ويقرّب له ويبخره ، ولم تزل بابنها حتى سجد له ، ودعي إلى عبادته . فلما رأى الكاهن الأمر في عبادة الكواكب قد تم وأحكم من جهة الملك أحب أن يكون لكوكب السّها مثالا في الأرض على صورة حيوان يتعبد له ، فأقام بعمل الحيلة في ذلك إلى أن اتفق أن العقبان كثرت بمصر ، وأضرّت بالناس فأحضر الملك هذا الكاهن وسأله عن سبب كثرتها ، فقال : إن إلهك أرسلها لتعمل لها نظيرا ليسجد له . فقال مرقونس : إن كان يرضيه ذلك ، فأنا فاعله . فقال : إن ذلك رضاه ، فأمر بعمل عقاب طوله ذراعان في عرض ذراع من ذهب مسبوك وعمل عينيه من ياقوتتين ، وعمل له وشاحين من لؤلؤ منظوم على أنابيب جوهر أخضر ، وفي منقاره درة معلقة وسرو له بالدرّ الأحمر ، وأقامه على قاعدة من فضة منقوشة قد ركبت على قائمة زجاج أزرق ، وجعله في أزج عن يمين الهيكل ، وألقى عليه ستور الحرير وجعل له دخنة من جميع الأفاويه والصموغ وقرّب له عجلا أسود ، وبكارة الفراريج ، وباكورة الفواكه والرياحين . فلما تمت له سبعة أيام دعاهم إلى السجود إليه ؛ فأجابه الناس ، ولم يزل الكاهن يجهد نفسه في عبادة العقاب وعمل له عيدا . فلما تم لذلك أربعون يوما نطق الشيطان من جوفه . وكان أوّل ما دعاهم إليه أن ينجز له في إنصاف الشهور بالمندل ، ويرش الهيكل بالخمر العتيقة التي تؤخذ من رؤوس الخوابي ، وعرّفهم أنه قد أزال عنهم العقبان وضررها ، وكذلك يفعل في غيرها مما يخافون . فسرّ الكاهن بذلك ، وتوجه إلى أمّ الملك يعرّفها ذلك ، فسارت إلى الهيكل