المقريزي

378

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

إلا الأكسية نعمل بمصر من صوفها المرعز العسليّ العين المصبوغ ، فعمل له منها عدد ، فما احتاج منها إلا إلى واحد ، ولهم طراز القيس ، والبهنسا في الستور والمضارب يعرفون به ، ومنه طراز أهل الدنيا . وظهر بها بالقرب من البهنسا ، سرب في أيام السلطان ، الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب ، فأمر متولي البهنساوية بكشفه ، فجمع له أهل المعرفة بالعوم والغطس ، فكانوا ما ينيف على مائتي رجل ما فيهم إلا من نزل السرب ، فلم يجد له قرارا ، ولا جوانب ، فأمر بعمل مركب طويل رقيق بحيث يمكن إدخاله من رأس السرب ، وشحنه بالأزراد والرجال ، وركب فيه حبالا مربوطة في خوازيق عند رأس السرب ، وحمل مع الرجال آلات يعرفون بها أوقات الليل والنهار ، وعدّة شموع وغيرها ، مما تستخرج به النار وتشعل به ، وأمرهم أن يسلكوا بالمركب في السرب حتى ينفد نصف ما معهم من الزاد ، فساروا بالمركب في ظلمة ، وهم يرخون الحبال ، ولا يجدون لما هم سائرون فيه من الماء جوانب ، فما زالوا حتى قلت أزوادهم ، فأبطلوا حركة المركب بالمجاذيف إلى داخل السرب ، وجرّوا الحبال ليرجعوا إلى حيث دخلوا ، حتى انتهوا إلى رأس السرب ، فكانت مدّة غيبتهم في السرب ، ستة أيام أربعة منها دخولا إلى جوفه وتطواف جوانبه ، ويومان رجوعا إلى رأس السرب ، ولم يقفوا في هذه المدّة على نهاية السرب ، فكتب بذلك الأمير علاء الدين الطنبغا والي البهنسا إلى الملك الكامل ، فتعجب عجبا كثيرا ، واشتغل عن ذلك بمحاربة الفرنج على دمياط ، فلما رحلوا عن دمياط ، وعادوا إلى القاهرة ، خرج بعد ذلك حتى شاهد السرب المذكور . ذكر دروط بلهاسة اعلم أن : دروط وهي : بفتح الدال المهملة وضم الراء وسكون الواو وطاء ، اسم لثلاث قرى : دروط أشموم من الأشمونين ، ودروط سريان ، من الأشمونين أيضا ، ودروط بلهاسة من ناحية البهنسا بالصعيد ، وبها جامع أنشأه زياد بن المغيرة بن زياد بن عمرو العتكيّ ، ومات في المحرّم سنة إحدى وتسعين ومائة ، فدفن به ، وقال فيه الشاعر : حلف الجود حلفه برّ فيها * ما برا اللّه واحدا كزياد كان غيثا لمصر إذ كان حيا * وأمانا من السنين الشداد ومات أخوه إبراهيم بن المغيرة سنة سبع وتسعين ومائة فقال الشاعر فيه : ابن المغيرة إبراهيم من ذهب * يزداد حسنا على طول الدهارير « 1 » لو كان يملك ما في الأرض عجله * إلى العفاة ولم يهمم بتأخير

--> ( 1 ) دهارير : ج . دهور .