المقريزي
355
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
والمقرة ، ومدينة دنقلة ، وهي دار مملكتهم ، وأوّل بلاد علوة ، قرى في الشرق على شاطىء النيل تعرف بالأبواب ، ولهذه الناحية وال من قبل صاحب علوة يعرف بالرحراح . والنيل يتشعب من هذه الناحية على سبعة أنهار ، فمنها نهر يأتي من ناحية المشرق كدر الماء يجف في الصيف حتى يسكن بطنه ، فإذا كان وقت زيادة النيل نبع فيه الماء ، وزادت البرك التي فيه ، وأقبل المطر والسيول في سائر البلد ، فوقعت الزيادة في النيل ، وقيل : إنّ آخر هذا النهر ، عين عظيمة تأتي من جبل . قال مؤرخ النوبة : وحدّثني سيمون صاحب عهد بلد علوة ، أنه يوجد في بطن هذا النهر ، حوت لا قشر له ليس هو من جنس ما في النيل ، يحفر عليه قامة وأكثر ، حتى يخرج ، وهو كبير وعليه جنس مولد بين العلوة والبجة ، يقال لهم : الديجيون ، وجنس يقال لهم : بازة يأتي من عندهم طير يعرف بحمام بازين ، وبعد هؤلاء أوّل بلاد الحبشة ، ثم النيل الأبيض ، وهو نهر يأتي من ناحية الغرب شديد البياض مثل اللبن . قال : وقد سألت من طرق بلاد السودان من المغاربة عن النيل الذي عندهم ، وعن لونه ، فذكر أنه يخرج من جبال الرمل ، أو جبل الرمل وأنه يجتمع في بلد السودان في برك عظام ، ثم ينصب إلى ما لا يعرف ، وإنه ليس بأبيض ، فإمّا أن يكون اكتسب ذلك اللون ، مما يمرّ عليه أو من نهر آخر ينصب إليه ، وعليه أجناس من جانبيه ، ثم النيل الأخضر ، وهو نهر يأتي من القبلة مما يلي الشرق شديد الخضرة ، صافي اللون جدّا ، يرى ما في قعره من السمك ، وطعمه مخالف لطعم النيل ، يعطش الشارب منه بسرعة ، وحيتان الجميع واحدة ، غير أنّ الطعم مختلف ، ويأتي فيه وقت الزيادة خشب الساج والبقم والغثاء ، وخشب له رائحة كرائحة اللبان ، وخشب غليظ ينحت ويعمل منه مقدام ، وعلى شاطئه ينبت هذا الخشب أيضا ، وقيل : إنه وجد فيه عود البخور . قال : وقد رأيت على بعض سقالات الساج المنحوتة التي تأتي فيه وقت الزيادة ، علامة غريبة ، ويجتمع هذان النهران الأبيض والأخضر عند مدينة متملك بلد علوة ، ويبقيان على ألوانهما قريبا من مرحلة ، ثم يختلطان بعد ذلك ، وبينهما أمواج كبار عظيمة بتلاطمهما . قال : وأخبرني من نقل النيل الأبيض ، وصبه في النيل الأخضر فبقي فيه مثل اللبن ساعة قبل أن يختلطا ، وبين هذين النهرين ، جزيرة لا يعرف لها غاية ، وكذلك لا يعرف لهذين النهرين نهاية ، فأوّلهما يعرف عرضه ، ثم يتسع فيصير مسافة شهر ، ثم لا تدرك سعتهما لخوف من يسكنهما بعضهم من بعض ، لأنّ فيهما أجناسا كثيرة وخلقا عظيما ، قال : وبلغني أنّ بعض متملكي بلد علوة سار فيها يريد أقصاها ، فلم يأت عليه بعد سنين ، وإنّ في طرفها القبليّ جنسا يسكنون ودوابهم في بيوت تحت الأرض مثل السراديب بالنهار من شدّة