المقريزي

356

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

حرّ الشمس ، ويسرحون في الليل ، وفيهم قوم عراة ، والأنهار الأربعة الباقية ، تأتي أيضا من القبلة مما يلي الشرق أيضا في وقت واحد ، ولا يعرف لها نهاية أيضا ، وهي دون النهرين الأبيض والأخضر في العرض ، وكثرة الخلجان والجزائر ، وجميع الأنهار الأربعة تنصب في الأخضر ، وكذلك الأوّل الذي قدّمت ذكره ، ثم يجتمع مع الأبيض ، وكلها مسكونة عامرة مسلوك فيها بالسفن وغيرها ، وأحد هذه الأربعة يأتي مرّة من بلاد الحبشة . قال : ولقد أكثرت السؤال عنها ، واستكشفتها من قوم عن قوم ، فما وجدت مخبرا يقول إنه وقف على نهاية جميع هذه الأنهار ، والذي انتهى إليه علم من عرّفني عن آخرين إلى خراب ، وأنه يأتي في وقت الزيادة في هذه الأنهار ، آلة مراكب وأبواب وغير ذلك ، فيدل على عمارة بعد الخراب ، فأمّا الزيادة فيجمعون أنها من الأمطار مع مادة تأتي من ذاتها ، والدليل على ذلك النهر الذي يجف ويسكن بطنه ، ثم ينبع وقت الزيادة . ومن عجائبه : أنّ زيادته في أنهار مجتمعة ، وسائر النواحي والبلدان في مصر وما يليها والصعيد وأسوان وبلد النوبة وعلوة ، وما وراء ذلك في زمان واحد ، وأكثر ما وقف عليه من هذه الزيادة أنه ربما وجدت مثلا بأسوان ، ولا توجد بقوص ، ثم تأتي بعد فإذا كثرت الأمطار عندهم واتصلت السيول ، علم أنها سنة ريّ ، وإذا قصرت الأمطار علم أنها سنة ظمأ ، قال : وأما من طرق بلاد الزنج فإنهم أخبروني عن مسيرهم في بحر الصين إلى بلاد الزنج بالريح الشماليّ ، مساحلين للجانب الشرقيّ من جزيرة مصر ، حتى ينتهوا إلى موضع يعرف برأس حفري ، وهو عندهم آخر جزيرة مصر ، فينظرون كوكبا يهتدون به ، فيقصدون الغرب ، ثم يعودون إلى البحري ، ويصير الشمال في وجوههم ، حتى يأتوا إلى قبيلة من بلاد الزنج وهي مدينة متملكهم ، وتصير قبلتهم للصلاة إلى جدّة . قال : وبعض الأنهار الأربعة يأتي ، من بلاد الزنج لأنه يأتي فيه الخشب الزنجيّ ، وسوبة مدينة العلوي شرقيّ الجزيرة الكبرى التي بين البحرين الأبيض والأخضر في الطرف الشماليّ منها عند مجتمعهما ، وشرقيها ، النهر الذي يجف ، ويسكن بطنه ، وفيها أبنية حسان ودور واسعة ، وكنائس كثيرة الذهب ، وبساتين ولها رباط فيه جماعة من المسلمين ، ومتملك علوة أكثر مالا من متملك المقرة ، وأعظم جيشا ، وعنده من الخيل ما ليس عند المقري ، وبلده أخصب وأوسع ، والنخل والكرم عندهم يسير وأكثر حبوبهم الذرة البيضاء التي مثل الأرز منها ، خبزهم ومزرهم واللحم عندهم كثير لكثرة المواشي ، والمروج الواسعة العظيمة السعة ، حتى أنه لا يوصل إلى الجبل إلا في أيام ، وعندهم خيل عتاق ، وجمال صهب عراب ، ودينهم النصرانية يعاقبة ، وأساقفتهم من قبل صاحب الإسكندرية كالنوبة ، وكتبهم بالرومية يفسرونها بلسانهم ، وهم أقل فهما من النوبة ، وملكهم يسترق من شاء من رعيته بجرم ، وبغير جرم ، ولا ينكرون ذلك عليه ، بل يسجدون له ولا يعصون أمره على