المقريزي
227
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
وكان الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيوب لما استقل بالملك بعد أبيه ، سوّل له جهلة أصحابه أن يهدم هذه الأهرام فبدأ بالصغير الأحمر ، فأخرج إليه النقابين والحجارين وجماعة من أمراء دولته وعظماء مملكته وأمرهم بهدمه ، فخيموا عنده وحشروا الرجال والصناع ، ووفروا عليهم النفقات وأقاموا نحو ثمانية أشهر بخيلهم ورجلهم يهدمون كل يوم بعد الجهد ، واستفراغ بذل الوسع الحجر والحجرين فقوم من فوق يدفعونه بالأسافين وقوم من أسفل يجذبونه بالقلوس « 1 » والأشطان « 2 » ، فإذا سقط سمع له وجبة عظيمة من مسافة بعيدة حتى ترجف الجبال ، وتزلزل الأرض ويغوص في الرمل فيتعبون تعبا آخر حتى يخرجوه ، ويضربون فيه بالأسافين بعد ما ينقبون لها موضعا ، ويثبتونها فيه فيتقطع قطعا وتسحب كل قطعة على العجل حتى يلقي في ذيل الجبل ، وهي مسافة قريبة ، فلما طال ثواءهم ، ونفدت نفقاتهم ، وتضاعف نصبهم ، ووهت عزائمهم كفوا محسورين لم ينالوا بغية بل شوّهوا الهرم ، وأبانوا عن عجز وفشل ، وكان ذلك في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة ، ومع ذلك فإنّ الرائي لحجارة الهرم يظنّ أنه قد استؤصل فإذا عاين الهرم ظنّ أنه لم يهدم منه شيء وإنما سقط بعض جانب منه ، وحين ما شوهدت المشقة التي يجدونها في هدم كل حجر ، سئل مقدّم الحجارين فقيل له : لو بذل لكم السلطان ألف دينار على أن تردّوا حجرا واحدا إلى مكانه وهندامه هل كان يمكنكم ؟ فأقسم بالله إنهم ليعجزون عنه ولو بذل لهم أضعاف ذلك . وبإزاء الأهرام مغاير كثيرة العدد كبيرة المقدار عميقة الأغوار لعلّ الفارس يدخلها برمحه ويتخللها يوما أجمع ولا ينهيها لكبرها وسعتها وبعدها ويظهر من حالها أنها مقاطع حجارة الأهرام . وأما مقاطع حجارة الهرم الأحمر فيقال : إنها بالقلزم وبأسوان ، وعند هذه الأهرام آثار أبنية جبابرة ومغاير كثيرة منقبة ، وقلما ترى من ذلك شيئا إلّا وترى عليه كتابات بهذا القلم المجهول ، وللّه در الفقيه عمارة اليمنيّ حيث يقول : خليليّ ما تحت السماء بنية * تماثل في إتقانها هرمي مصر بناء يخاف الدهر منه وكلّ ما * على ظاهر الدنيا يخاف من الدهر تنزه طرفي في بديع بنائها * ولم يتنزه في المراد بها فكري أخذ هذا من قول بعض الحكماء ، كل شيء يخشى عليه من الدهر إلا الأهرام فإنه يخشى على الدهر منها ، وقال عبد الوهاب بن حسن بن جعفر بن الحاجب ، ومات في سنة
--> ( 1 ) القلوس : ج . قلس ، وهو الحبل الضخم من ليف أو خوص أو غيرهما تشد به السفن . ( 2 ) الأشطان : ج . شطن ، وهو الحبل الطويل .