المقريزي

228

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

سبع وثمانين وثلاثمائة : انظر إلى الهرمين إذ برزا * للعين في علو وفي صعد وكأنما الأرض العريضة قد * ظمئت لطول حرارة الكبد حسرت عن الثديين بارزة * تدعو الإله لفرقة الولد فأجابها بالنيل يشبعها * ريا وينقذها من الكمد لكرامة المولى المقيم بها * خير الأنام مقوّم الأود وقال سيف « 1 » الدين بن جبارة : للّه أيّ عجيبة وغريبة * في صنعة الأهرام للألباب أخفت عن الأسماع قصة أهلها * ونضت عن الأبداع كل نقاب فكأنما هي كالخيام مقامة * من غير ما عمد ولا أطناب وقال آخر : انظر إلى الهرمين واسمع منهما * ما يرويان عن الزمان الغابر وانظر إلى سرّ الليالي فيهما * نظرا بعين القلب لا بالناظر لو ينطقان لخبرانا بالذي * فعل الزمان بأوّل وبآخر وإذا هما بديا لعيني ناظر * وصفا له أذني جواد عائر وقال الإمام أبو العباس أحمد بن يوسف التيفاشي : ألست ترى الأهرام دام بناؤها * ويفني لدينا العالم الإنس والجنّ كأن رحى الأفلاك أكوارها على * قواعدها الأهرام والعالم الطحن وقال : قد كان للماضين من * سكان مصرهم فالفضل عنهم فضلة * والعلم فيهم علم ثم انقضت أعلامهم * وعلمهم واحتطموا وانظر تراها ظاهرا * باد عليها الهرم وقال : خليليّ لا باق على الحدثان * من الأوّل الباقي فيحدث ثاني إلى هرمي مصر تناهت قوى الورى * وقد هرمت في دهرها الهرمان فلا تعجبا أن قد هرمت فإنما * رماني بفقدان الشباب زماني

--> ( 1 ) في النجوم الزاهرة ج 1 / 53 : سعد الدين بن جبارة .