المقريزي
171
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
من غير تأمّل كيفما وقعت يده عليه . وقدّر اللّه سبحانه وتعالى أنّ السلطان كان من جملة صبيان مطبخه ، رجل مضحك يهزل بحضرته ، فيضحك منه ، ويعجب به ولا يعترض فيما يقول من السخف ، فجلس السلطان في بعض أيام العرض في البستان بقلعة الجبل ، وعنده الخاصة من الأمراء فدخل هذا المضحك ، وأخذ في السخرية على عادته ليضحك السلطان ، إلى أن قال : وجدت بعض أجناد الروك الناصريّ ، وهو راكب الإكديش ، وخرجه خلفه ورمحه فوق كتفه يقصد بهذا السخرية ، والطعن ، فغضب السلطان غضبا شديدا وصاح : خذوه وعرّوه ثيابه ، فتبادره الأعوان ، وجرّوه برجله ، ونزعوا ثيابه وربطوه في الساقية مع القواديس ، وأكثروا من ضرب الأبقار حتى أسرعت بدوران الساقية ، فصار المسكين ينقلب مع القواديس ويغطس في المادة تارة ويرقى أخرى ثم ينتكس ، والماء يمرّ عليه مقدار ساعة إلى أن انقطع حسه ، وأشرف على الهلاك ، واشتدّ رعب الأمراء لما رأوا من قوّة غضب السلطان . ثم تقدّم الأمير طغاي الدوادار في طائفة من الأمراء الخاصكية ، واعتذروا عن هذا المسكين بأنه لم يرد إلا أن يضحك السلطان من كلامه ، ولم يقصد عيب الأجناد ، ولا انتقاصهم ونحو هذا من القول إلى أن أمر بحله ، فإذا ليس فيه حركة ، فسحب ورسم السلطان بأنه إن كان حيا لا يبيت بديار مصر ، فأخرج من وقته منفيا وحمد اللّه كل من الأمراء على ما وفقه من السكوت عن الكلام في حال العرض . وما زال الأمر بمصر على ما رسمه الملك الناصر في هذا الروك إلى أن زالت دولة بني قلاوون بالملك الظاهر برقوق في شهر رمضان سنة أربع وثمانين وسبعمائة ، فأبقي الأمر على ذلك إلا أنّ أشياء منه أخذت تتلاشى قليلا قليلا إلى أن كانت الحوادث والمحن في سنة ست وثمانمائة حيث حدث من أنواع التغيرات ، وتنوّع الظلم ما لم يخطر ببال أحد ، وسيمرّ بك حمل من ذلك عند ذكر أسباب خراب إقليم مصر إن شاء اللّه تعالى ، وكانت لأراضي مصر تقاو مخلدة في نواحيها وهي على قسمين : تقاو سلطانية ، وتقاو بلدية ، فالتقاوي السلطانية ، وضعها الملوك في النواحي ، وكان الأمير أو الجنديّ عندما يستقرّ على الإقطاع يقبض ماله من التقاوي السلطانية ، فإذا خرج عنه طولب بها ، فلما كان الروك الناصري خلدت تقاوي كل ناحية بها ، وضبطت في الديوان السلطاني فبلغت جملتها مائة ألف وستين ألف أردب سوى التقاوي البلدية .