المقريزي

172

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

ذكر الديوان قال أقضى القضاة أبو الحسن الماورديّ : الديوان محفوظ بحفظ ما تعلق بحقوق السلطنة من الأعمال والأموال ، ومن يقوم بها من الجيوش والعمال ، وفي تسميته ديوانا وجهان : أحدهما : أن كسرى اطلع ذات يوم على كتاب ديوانه فرآهم يحسبون مع أنفسهم ، فقال : ديوانه ، أي : مجانين ، فسمي موضعهم بهذا الاسم ، ثم حذفت الهاء عند كثرة الاستعمال تخفيفا للاسم ، فقيل : ديوان . والثاني : أن الديوان اسم بالفارسية للشياطين ، فسمي الكتاب باسمهم لحذقهم بالأمور ، ووقوفهم على الجليّ والخفيّ ، وجمعهم لما شذ وتفرّق ، واطلاعهم على ما قرب وبعد ، ثم سمي مكان جلوسهم باسمهم ، فقيل : ديوان . انتهى . واعلم أن كتابة الديوان على ثلاثة أقسام : كتابة الجيوش ، وكتابة الخراج ، وكتابة الإنشاء والمكاتبات ، ولا بدّ لكل دولة من استعمال هذه الأقسام الثلاثة ، وقد أفرد العلماء في كتابة الخراج ، وفي كتابة الإنشاءات عدّة مصنفات ، ولم أر أحدا جمع شيئا في كتابة الجيوش ، والعساكر ، وكانت كتابة الدواوين في صدر الإسلام أن يجعل ما يكتب فيه صحفا مدرجة ، فلما انقضت أيام بني أمية ، وقام عبد اللّه بن محمد : أبو العباس السفاح ، استوزر خالد بن برمك بعد أبي سلمة حفص بن سليمان الخلال ، فجعل الدفاتر في الدواوين من الجلود ، وكتب فيها وترك الدروج إلى أن تصرّف جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك في الأمور أيام الرشيد ، فاتخذ الكاغد ، وتداوله الناس من بعده إلى اليوم . وذكر أبو النمر الوراق قال : حدّثني أبو حازم القاضي قال : قال لي أبو الحسن بن المدبر : لو عمرت مصر كلها لوفت بأعمال الدنيا ، وقال : إنّ أرض مصر مساحتها للزراعة ثمانية وعشرون ألف ألف فدّان ، وإنما المعمر منها ألف ألف فدّان . قال : وقال لي ابن المدبر : إنه كان يتقلد ديوان المشرق وديوان المغرب . قال : ولم أبت قط ليلة من الليالي حتى أنهيه ، ولا بقيته ، وتقلدت مصر فكنت ربما نمت وقد بقي عليّ شيء من العمل فأستتمه إذا أصبحت .