المقريزي
132
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
ذكر الخلجان التي شقت من النيل اعلم أن النيل إذا انتهت زيادته فتحت منه خلجان وترع ، يتخرّق الماء فيها يمينا وشمالا إلى البلاد البعيدة عن مجرى النيل ، وأكثر الخلجان والترع والجسور ، والأخوار بالوجه البحريّ . وأما الوجه القبليّ : وهو بلاد الصعيد فإن ذلك قليل فيه ، وقد ذهبت معالمه ودرست رسومه من هنالك . والمشهور من الخلجان : خليج منجا ، وخليج منف ، وخليج المنهى ، وخليج أشموم طناح ، وخليج سردوس ، وخليج الإسكندرية ، وخليج دمياط ، وخليج القاهرة ، وبحر أبي المنجا ، والخليج الناصري ظاهر القاهرة . قال ابن عبد الحكم عن أبي رهم السماعيّ قال : كانت مصر ذات قناطر ، وجسور بتقدير وتدبير حتى إن الماء ليجري تحت منازلها وأفنيتها ، فيحسبونه كيف شاءوا ، ويرسلونه كيف شاءوا ، فذلك قوله تعالى ، عما حكى عن قول فرعون : أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الزخرف / 51 ] ، ولم يكن يومئذ في الأرض ملك أعظم من ملك مصر ، وكانت الجنات بحافتي النيل من أوّله إلى آخره في الجانبين معا جميعا مما بين أسوان إلى رشيد ، وسبع خلج : خليج الإسكندرية ، وخليج سخا ، وخليج دمياط ، وخليج منف ، وخليج الفيوم ، وخليج المنهي ، وخليج سردوس ، جنات متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء ، والزرع ما بين الجبلين من أوّل مصر إلى آخرها مما يبلغه الماء . وكانت جميع أرض مصر كلها تروى من ستة عشر ذراعا لما قدّروا ودبروا من قناطرها وخلجها وجسورها ، فذلك قوله تعالى : كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ [ الدخان / 26 ] . قال : والمقام الكريم : المنابر ، كان بها ألف منبر . ( خليج سخا ) « 1 » وخليج سخا : حفره ندارس بن صا ابن قبطيم بن مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح وهو : أحد ملوك القبط القدماء الذين ملكوا مصر في الدهر الأوّل . قال ابن وصيف شاه : ندارس الملك أوّل من ملك الأحياز كلها بعد أبيه صا ، وصفا له ملك مصر ، وكان ندارس محتنكا مجرّبا ذا أيد وقوّة ، ومعرفة بالأمور ، فأظهر العدل ، وأقام
--> ( 1 ) خليج سخا : حفره برصا أحد ملوك مصر بعد الطوفان . صبح الأعشى 3 / 335 .