المقريزي

133

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

الهياكل وأهلها قياما حسنا ، ودبر جميع الأحياز . ويقال : إنه الذي حفر خليج سخا وارتفع مال البلد على يده مائة ألف ألف دينار وخمسين ألف ألف دينار ، وقصده بعض عمالقة الشام فخرج إليه واستباحه ، ودخل فلسطين ، وقتل بها خلقا ، وسبى بعض حكمائها وأسكنهم مصر ، وهابته الملوك وعلى رأس ثلاثين من ملكه طمع السودان من الزنج والنوبة في أرضه ، وعاثوا وأفسدوا ، فجمع الجيوش من أعمال مصر وأعد المراكب ، ووجه قائدا يقال له : فلوطس في ثلاثمائة ألف ، وقائدا آخر في مثلها ، ووجه في النيل ثلاثمائة سفينة في كل سفينة كاهن يعمل أعجوبة من العجائب ، ثم خرج في جيوش كثيرة ، فلقي جمع السودان ، وكانوا في زهاء ألف ألف فهزمهم ، وقتل أكثرهم أبرح قتل ، وأسر منهم خلقا وتبعتهم جيوشه حتى وصلوا إلى أرض الفيلة من بلاد الزنج ، فأخذوا منها عدّة ومن النمور والوحوش وساقوها إلى مصر فذللها وعمل على حدود بلده منارا وزبر عليه مسيره ، وظفره الوقت الذي سار فيه ، ومات بمصر فدفن في ناووس نقل إليه شيئا كثيرا من أصنام الكواكب ، ومن الذهب والجوهر والصيغة والتماثيل ، وزبر عليه اسمه وتاريخ هلاكه ، وجعل له طلسمات تمنع منه وعهد إلى ابنه ماليق بن ندارس . ( خليج سردوس ) « 1 » : حفره هامان . قال ابن وصيف شاه طلما بن قومس الملك : جلس على سرير الملك ، وحاز جميع ما كان في خزائنهم ، وهو الذي تذكر القبط أنه فرعون موسى . فأما أهل الأثر فيزعمون أنه الوليد بن مصعب ، وأنه من العمالقة ، وذكروا أن الفراعنة سبعة ، وكان طلما فيما حكي عنه : قصيرا طويل اللحية أشهل العينين صغير العين اليسرى في جبينه شامة ، وكان أعرج . وزعم قوم : أنه من القبط ونسب أهل بيته مشهور عندهم . وذكر آخرون : أنه دخل منف على أتان عليها نطرون جاء ليبيعه ، وكانوا قد اضطربوا في تولية الملك فرضوا أن يملكوا عليهم أوّل من يطرأ من الناس ، فلما رأوه ملكوه عليهم ، ولما جلس في الملك بذل الأموال ، وقرب من أطاعه ، وقتل من خالفه فاعتدل أمره ، واستخلف هامان ، وكان يقرب منه في نسبه ، وأثار بعض الكنوز وصرفها في بناء المدائن والعمارات وحفر خلجانا كثيرة . ويقال : إنه الذي حفر خليج سردوس ، وكان كلما عرّجه إلى قرية من قرى الحوف حمل إليه أهلها مالا حتى اجتمع من ذلك مال كثير فأمر بردّه على أهله . وقال ابن عبد الحكم عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما : أن فرعون استعمل هامان على حفر خليج سردوس فلما ابتدأ حفره أتاه أهل كل قرية يسألونه أن يجري

--> ( 1 ) خليج سردوس : وهو الذي حفره فرعون وهامان . صبح الأعشى 3 / 333 .