المقريزي

120

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

وقال بشر الملك ابن المنجم : يا رب سامية في الجو قمت بها * أمدّ طرفي في أرض من الأفق حيث العشية في التمثيل معترك * إذا رآها جبان مات للفرق للشمس غاربة للغرب ذاهبة * بالنيل مصفرّة من هجمة الغسق وللهلال انعطاف كالسنان بدا * من سورة الطعن ملقى في دم الشفق وقال القاضي الفاضل رحمه اللّه تعالى عليه : وأما النيل ، فقد ملأ البقاع ، وانتقل من الأصبع إلى الذراع ، فكأنما غار على الأرض ، فغطاها وأغار عليها فاستقعدها ، وما تخطاها فما يوجد بمصر قاطع طريق سواه ، ولا مرغوب مرهوب إلا إياه . ونيل مصر : مخالف في جريه لغالب الأنهار ، فإنه يجري من الجنوب إلى الشمال وغيره ، ليس كذلك إلا نهران فإنهما يجريان كما يجري النيل ، وهما نهر مكران بالسند ونهر الأريط « 1 » ، وهو الذي يعرف اليوم بنهر العاصي في حماه إحدى مدائن الشام . وقد عاب ماء النيل قوم . قال أبو بكر ابن وحشية « 2 » في كتاب الفلاحة النبطية : وأما ماء النيل فمخرجه من جبال وراء بلاد السودان يقال لها جبال القمر ، وحلاوته وزيادته يدلان على موقعه من الشمس أنها أحرقته لا كل الإحراق ، بل أسخنته إسخانا طويلا لينا لا تزعجه الحرارة ، ولا تقوى عليه بحيث تبدّد أجزاءه الرطبة وتبقى أجزاءه الراسخة ، بل يعتدل عليه فصار ماؤه لذلك حلوا جدّا ، وصار كثرة شربه يعفن البدن ، ويحدث البثور ، والدماميل والقروح ، وصار أهل مصر - الشاربون منه - دمويين محتاجين إلى استفراغ الدم عن أبدانهم في كل مدّة قصيرة ، فمن كان عالما منهم بالطبيعة ، فهو يحسن مداواة نفسه حتى يدفع عن جسمه ضرر ماء النيل ، وإلا فهو يقع فيما ذكرنا من العفونات وانتشار البثر والدماميل . وذلك أن هذا الماء ناقص البرد عن سائر المياه قد صير له الطبخ قواما هو أثخن من قوام الماء ؛ فصار إذا خالط الطعام في الأبدان كثر فيها الفضول الردية العفنة ، فيحدث من ذلك ما ذكرناه . ودواء أهل مصر الذي يدفع عنهم ضرر ماء النيل ، إدمان شرب ربوب الفاكهة الحامضة القابضة ، وأخذ الأدوية المستفرغة للفضول ولو زادت حرارة الشمس على ماء النيل ، وطال طبخها له لصار مالحا بمنزلة ماء البحار الراكدة التي لا حركة لها إلا وقت

--> ( 1 ) نهر الأريط : ويسمى أيضا بالنهر المقلوب وهو الذي يعرف اليوم بنهر العاصي ينبع من شرق لبنان ويتجه شمالا في سورية ويصب في البحر المتوسط في خليج اسكندرونة . ( 2 ) هو : أحمد بن علي بن قيس ، عالم بالكيمياء ، ينسب إليه بالاشتغال بالسحر والشعوذة . له مؤلفات عديدة . توفي بعد سنة 291 ه . أعلام ج 1 / 170 .