المقريزي

121

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

جزر البحر ، وهبوب الرياح ، وهو أوفق للزروع والمنابت من الحيوان . وقال ابن رضوان : والنيل يمرّ بأمم كثيرة من السودان ، ثم يصير إلى أرض مصر ، وقد غسل ما في بلاد السودان من العفونات ، والأوساخ ويشق مارا بوسط أرض مصر من الجنوب إلى الشمال إلى أن يصب في بحر الروم . ومبدأ زيادته في فصل الصيف ، وتنتهي زيادته في فصل الخريف ، ويرتقي في الجوّ منه في أوقات مدّة رطوبات كثيرة بالتحلل الخفيّ ، فيرطب ذلك يبس الصيف ، والخريف ، وإذا مدّ النهر فاض على أرض مصر فغسل ما فيها من الأوساخ نحو جيف الحيوانات ، وأزبالها وفضول الآجام ، والنبات ومياه النقاع ، وأحدر جميع ذلك معه ، وخالطه من تراب هذه الأرض ، وطينها مقدار كثير من أجل سخافتها وباض فيه من السمك الذي تربى فيه وفي مياه النقائع ، ومن قبل ذلك تراه في أوّل مدّة يخضر لونه بكثرة ما يخالطه من مياه النقائع العفنة التي قد اجتمع فيها العرمض ، والطحلب واخضر لونها من عفنها ثم يتعكر حتى يصير آخر أمره مثل الحمأة ، وإذا صفا اجتمع منه في الإناء طين كثير ، ورطوبة لزجة لها سهوكة ، ورائحة منكرة . وهذا من أوكد الأشياء في ظهور رداءة هذا الماء ، وعفنه . وقد بيّن بقراط وجالينوس : أنّ أسرع المياه إلى العفن ما لطفته الشمس بمياه الأمطار ومن شأن هذا الماء أن يصل إلى أرض مصر ، وهو في الغاية من اللطافة من شدّة حرارة بلاد السودان ، فإذا اختلط به عفونات أرض مصر زاد ذلك في استحالته ، ولذلك يتولد منه من أنواع السمك شيء كثير جدّا . فإنّ فضول الحيوانات والنبات وعفونة هذا الماء ، وبيض السمك يصير جميعها موادّا في تكوّن هذه الأسماك . كما قال أرسطاطاليس في كتاب الحيوان : وذلك شيء ظاهر للحس فإن كل شيء يتعفن يتولد من عفونته الحيوان ، ولهذا صار ما يتولد من الدود ، والفأر والثعابين والعقارب والزنابير والذباب ، وغيرها بأرض مصر كثيرا ، فقد استبان أن المزاج الغالب على أرض مصر الحرارة والرطوبة الفضلية . وإنها ذات أجزاء كثيرة ، وإن هواءها وماءها رديان ، وربما انقطع النيل في آخر الربيع وأوّل الصيف من جهة الفسطاط . فيعفن بكثرة ما يلقي فيه إلى أن يبلغ عفنه إلى أن يصير له رائحة منكرة محسوسة . وظاهر أن هذا الماء إذا صار على هذه الحالة غيّر مزاج الناس تغيرا محسوسا ، وينبغي أن يستقي ماء النيل من الموضع الذي فيه جريه أشدّ ، والعفونة فيه أقل ، ويصفي كل إنسان هذا الماء بحسب ما يوافق مزاجه . أما المحرورون في أيام الصيف فبالطباشير ، والطين الأرمنيّ ، والمغرة والنبق المرضوض ، والزعرور المرضوض ، والخل . وأما المبرودون في أيام الشتاء فباللوز المرّ ، داخل نوى المشمش ، والصعتر والشب . وينبغي أن ينظف ما يروّق ويشرب وإن شئت أن تصفيه بأن تجعله في آنية الخزف ، والفخار والجلود ، وما يمصل من ذلك بالرشح ، وإن شئت طبخته