ماكس فرايهر فون اوپنهايم
349
من البحر المتوسط إلى الخليج
التفاصيل عن حياة النبي محمد استنادا إلى الروايات المتناقلة شفهيا ، وهكذا بدأ نشوء المراجع التاريخية والأدبية . وعند تحديد التعاليم الإسلامية بشكل مفصل ودقيق ظهر على الفور رأيان مختلفان ، رأي متشدد ورأي أكثر تحررا ، وجدا في البصرة بالذات أهم ممثليهما . استمر الصراع بين الاتجاهين الاتجاه الأرثوذوكسي المحافظ والاتجاه العقلاني الحر ( المعتزلة ) ، أكثر من مائة عام ومورس ليس فقط على أرض العلم وإنما في أحيان كثيرة بحد السيف . في عام 827 م أصدر الخليفة المأمون مرسوما رفع بموجبه الاتجاه العقلاني المتحرر إلى مرتبة المذهب الرسمي للدولة وأدان الاتجاه المتشدد واعتبره هرطقة . لكن الخليفة المتوكل أدان في عام 852 الاتجاه المعتزلي وحكم عليه بالزندقة وأعلن المذهب المتشدد على أنه المذهب الوحيد الصحيح . وعلى أثر ذلك بدأت حملة ملاحقة واسعة النطاق ضد معتنقي وأتباع الاتجاه الحر . وبعد ربع قرن ( في عام 260 ه 874 م ) ولد في البصرة الرجل الذي برهن علميا على أحقية الاتجاه المحافظ ، ألا وهو الإمام الشهير أبو الحسن الأشعري . نعمت العلوم الدنيوية في البصرة بفترة ازدهار أطول ، ويبدو أنها لم تتوقف إلا مع تدهور المدينة . فقد ظلت المكتبات والمؤسسات والجمعيات العلمية قائمة هنا حتى القرن الثاني عشر . والبصرة هي موطن شاعر من أشهر شعراء الشرق هو القاسم بن علي الحريري ( 1054 - 1122 ) الذي يعطينا أعظم مؤلّف له ، المقامات ، ليس فقط فكرة دقيقة عن الحياة العلمية في ذلك الوقت بل إنه يعد أيضا من أعظم المؤلفات في فن الشعر العربي على الإطلاق ولم يزل يحظى حتى اليوم في جميع البلدان الناطقة باللغة العربية بتقدير كبير لدى المثقفين لا يقل عن التقدير الذي تحظى به عندنا أشعار غوته وشيلر . [ عصر ازدهار البصرة ] بعد تجاوز المشاكل التي رافقت سقوط الحكم الأموي واستلام العباسيين السلطة شهد العراق فترة من السلم والهدوء استفادت منها البصرة بشكل خاص . لكن أهميتها السياسية ، وفي وقت لا حق أهميتها العلمية أيضا ، تراجعت إلى حد كبير لصالح المدينة الجديدة بغداد . غير أنها بالمقابل شهدت مزيدا من الازدهار