ماكس فرايهر فون اوپنهايم
348
من البحر المتوسط إلى الخليج
على يد العرب الذين كانوا يحققون نصرا بعد نصر لكي تكون قاعدة لاحتلال جنوب بلاد ما بين النهرين ، وعلى الأخص لحماية الجيوش العربية العاملة في الشمال من هجمات قد تشن عليها من جنوب فارس . حصلت القلعة على قوة كبيرة جدا بمقاييس ذلك الزمان تتألف من 800 رجل . وما إن حل العام التالي حتى أصبح امتلاك العرب لبلاد الرافدين مضمونا بعد انتصارهم في معركة القادسية . ونظرا إلى أن المدينة تتمتع بموقع مناسب جدا فقد نمت بسرعة كبيرة . فبعد 15 سنة من تأسيسها وصل عدد سكانها إلى 000 ، 150 - 000 ، 200 نسمة « 1 » . من الطبيعي أن السكان كانوا يتألفون من مختلف العناصر والأقوام الذين ما لبثوا أن سببوا للحكومة ، بسبب ميولهم إلى الشغب وعدم الانضباط ، كثيرا من المشاكل . فمنذ العهد الأموي أصبحت البصرة ، وأيضا الكوفة التي تأسست في نفس الوقت ولنفس الغرض ، بؤرة للاضطرابات والثورات الدائمة . [ البصرة كمركز طموحات علمية ودينية ] عندما أدت ، في الحروب الأهلية اللاحقة ، الأحقاد العميقة بين الأمويين في سورية وأتباع النبي محمد القدامى في المدينة المنورة إلى اقتحام مدينة النبي وذبح سكانها ، أصبحت بلاد الرافدين مركزا جديدا للمسلمين الأتقياء الذين مهدوا الطريق ، بجمعهم ونقلهم للأخبار عن حياة النبي وأقواله ، لبدء العلوم اللاهوتية وبصورة عامة لبدء الحركة الفكرية والعلمية لدى المسلمين . وبذلك أتيح المجال لتطور فكري وجد في سكان البصرة والكوفة النشيطين واليقظين أرضا خصبة بشكل خاص وحقق في العصور الوسطى ازدهارا فكريا عظيما في الشرق « 2 » . اهتمت هذه التطلعات العلمية في بادئ الأمر ، بطبيعة الحال بالقضايا الدينية في الدرجة الأولى . ذلك أن الاتساع المتواصل لرقعة الدولة الإسلامية تطلب معرفة دقيقة بالتعاليم الدينية التي تنظم حياة معتنقي الديانة الجديدة ، لأن القرآن لا يقدم أجوبة ، أو لا يقدم أجوبة كافية ، لكثير من المسائل . ولذلك شكّل جمع أحاديث النبي المهمة الرئيسية لعلماء الفترة الأولى . وإلى جانب ذلك بدئ بجمع
--> ( 1 ) انظر مولر ، الإسلام ، الجزء الأول ، ص 294 الملاحظة 1 . ( 2 ) انظر مولر ، الإسلام ، الجزء الأول ، ص 342 .