ماكس فرايهر فون اوپنهايم
332
من البحر المتوسط إلى الخليج
السفينة البخارية الإنجليزية « خليفة » . وفي وقت مبكر من صباح اليوم التالي تحركت الباخرة . وبشيء من الحزن والألم رحت أراقب مآذن بغداد وقببها الملونة وهي تختفي شيئا فشيئا خلف بساتين النخيل التي ظلت ساعة من الزمن تحيط بضفاف دجلة من الجانبين . وبعد ذلك بوقت قصير مررنا قرب المخيمات الضخمة التي كان ثلث سكان بغداد تقريبا قد لجأوا إليها خوفا من الوباء الرهيب . كان آلاف الناس يقيمون هنا في أضيق المكان محشورين في خيام ومبان مؤقتة مصنوعة من الخشب أو الحصائر أو الأغطية وغير ذلك من الأقمشة والأشياء بحيث إن الكوليرا قد تكون وجدت هنا أرضا مناسبة أكثر للتفشي والانتشار مما في المدينة نفسها . استغرقت رحلة السفينة حتى البصرة أربعة أيام وكانت مريحة إلى أبعد الحدود . كانت حجرتي جيدة ومريحة ؛ أما الطعام فقد بدا لي رديئا جدا على الرغم من أنني لم أكن مدللا في هذه الناحية بأي حال خلال رحلتي الطويلة في الصحراء . كانت الباخرة واسعة بما فيه الكفاية للحركة ، وعلى ظهر السفينة وفر المسافرون الكثيرون من السكان المحليين كثيرا من الفرص لمشاهدة أمور في غاية الأهمية . كانت جميع أجناس وديانات الشرق الأدنى ممثلة في هذه الرحلة . وكانت كل عائلة تصنع بواسطة صناديقها وعلبها وسلال مؤنها حيزا محددا تمد في داخله فرشاتها ليلا من أجل النوم . كانت الباخرة « خليفة » موضوعة مؤقتا تحت قيادة رجل اسمه مستر هانسلو ، وكان عناصر العمل والخدمة يتألفون ، كما في بقية السفن البخارية النهرية الإنجليزية والتركية ، من مسيحيين كلدانيين ، وهم رجال ذوو أجسام كبيرة وبنية قوية وفي غاية الطيبة ، ينحدرون في الأصل من المناطق الجبلية الواقعة شمال الموصل ، أما قادة السفينة وملاحوها فكانوا من العرب المسلمين . كان محاسب السفينة ، السيد سفوبودا ، كرواتيا مولودا في بغداد ، أما بقية الضباط فكانوا من الإنجليز . ولم يكن يوجد بين الركاب في القمرة الأولى إلا السيدة بادوان مع ابنتيها الجميلتين اللطيفتين اللتين كانتا مثل سفوبودا ، من أب أوروبي ومن أم مسيحية من السكان المحليين . كان النساء الثلاث متوجهات إلى أقرباء لهن في البصرة هربا من الكوليرا . بعد وقت قصير من اختفاء غابات النخيل عن الأنظار أصبحت ضفاف دجلة