ماكس فرايهر فون اوپنهايم

306

من البحر المتوسط إلى الخليج

[ تأثيرات وباء الكوليرا ] كما سبق وذكرت سبّب لي وباء الكوليرا صعوبة في زيارة المدينة والتعرف عليها وعلى أهلها . فلم تكن تمر ليلة إلا ونسمع عويل النساء المنطلق من البيوت المجاورة كدليل على أن الوباء المخيف قد راح ضحيته شخص آخر . وكان القواس الذي كلفه القنصل الإنجليزي بمرافقتي لا يرافقني إلا على مضض في الجولات التي كنت أقوم بها قبل الظهر وبعده في الأحياء الشعبية التي كانت تعاني بشكل خاص من وباء الكوليرا . وكنا نلتقي خلال جولاتنا دوما وأبدا بأفواج المشيعين الذين يحملون الميت ، حسب العادات الإسلامية ، في نعش مكشوف ، ملفوفا بقطعة من القماش فقط ، إلى مثواه الأخير . وكان غالبا من الصعب جدا تفادي ملامسة ثياب أولئك المساكين . فيما عدا ذلك كانت الشوارع شبه خالية ؛ كما أن الأسواق كانت خالية أيضا ، وكان الجزء الأكبر من المحلات التجارية مغلقا ؛ كان البيع والشراء يقتصر على الحاجات الأساسية فقط . وكانت بعض شوارع الأحياء اليهودية والمسيحية خالية من الحياة تماما ؛ فقد كان الآلاف من سكان هذه الأحياء بالذات قد هربوا منها ، بينما واجه المسلمون هذا الخطر بشيء من اللامبالاة انطلاقا من اتكاليتهم وإيمانهم بالقضاء والقدر . وقد فتح لي شيوخ الحارة العديد من البيوت التي كان واضحا للعيان أن أهلها قد غادروها فرارا وعلى عجل . كانت الخزائن والصناديق مفتوحة على مصراعيها ، وكانت قطع الملابس والأدوات المنزلية منتشرة في حالة من الفوضى العارمة . كان الوضع وكأن حربا قد اندلعت فجأة في المدينة . بهذه الحالة من الذعر لاذ السكان بالفرار آخذين معهم ما كان في متناول أيديهم من الحاجات الضرورية . [ الحياة العامة في بغداد ] في الأوقات العادية تضج شوارع بغداد بالحياة والحركة وتكون حركة السير على أشدها يوم الجمعة « 1 » . ففي هذا اليوم يتدفق السكان البدو من المناطق المجاورة إلى الأسواق لكي يشتروا حاجياتهم . ومن الطبيعي أن البدو يتعرضون بهذه المناسبة إلى استغلال وحيل تجار المدينة من مسلمين ومسيحيين ويهود . ويظهر في الأسواق خليط شديد التباين من الأزياء والأشكال من مختلف طبقات

--> ( 1 ) نتيجة العدد الكبير للتجار اليهود في بغداد فإن يوم السبت هو يوم العطلة الفعلي في السوق بالنسبة لجميع النشاط التجاري في بغداد بما في ذلك النشاط الأوروبي .