ماكس فرايهر فون اوپنهايم
120
من البحر المتوسط إلى الخليج
شخصا لا علم له ولا علاقة بأي شيء ، ويقول المثل العربي : البدوي يأخذ ثأره ولو بعد « أربعين » سنة « 1 » . [ الجوانب الايجابية لمؤسسة القبيلة ] النتيجة الطبيعية لهذه المؤسسة التي عمرها آلاف السنين والتي ينبذها الدين من بعض الجوانب على الأقل هي وضع قانوني يشبه نظام حق القوة بأبشع صوره . ويعود السبب في استمرارها على مر العصور ، بالدرجة الأولى ، إلى حملات الغزو والنهب التي لا يتخلى عنها البدو والتي تؤدي بطبيعة الحال إلى حدوث قتلى وإصابات . وبما أن العقاب لا ينفذ غالبا إلا عندما يحدث القتل داخل القبيلة نفسها فقد تشكلت في الجزيرة العربية بأسرها عداوات لا نهاية لها قامت منذ آلاف السنين ولم تزل مستمرة حتى اليوم وتؤدي إلى إنقاص عدد السكان . وفي بعض الأحيان تؤدي حروب الثأر إلى انقراض قبيلة بكاملها . وقد احتاج الجنس العربي إلى الخصوبة العالية لدى نسائه وإلى نظام تعدد الزوجات القائم منذ أقدم الأزمان لكي يمنع انقراض البدو . وهناك نتيجة أخرى لقضية الثأر تتمثل في أن البدوي يبقى على الدوام شكوكا ومغلقا إلى أبعد الحدود لأنه يخشى دوما من أن أول شخص يصادفه قد يكون عدوّا قديما أو طالب ثأر . ولذلك يعلّم البدو أولادهم منذ الطفولة على إخفاء أسمائهم وأسماء قبائلهم . ولا شك في أن هذا هو السبب الذي يجعل البدوي يكذب عند الإدلاء بأي معلومات على الرغم من الشواهد المخالفة لذلك . علاوة على ذلك فإن ممارسة الثأر في المناطق التي يسكنها البدو تجعل من المستحيل إقامة سلطة للدولة بالمعنى السائد عندنا اليوم . ولهذا السبب حاول الوهابيون في وسط شبه الجزيرة العربية إلغاء حق الثأر كلما شعروا أن لديهم سلطة كافية لتطبيق ذلك ، لكنهم لم يفلحوا . وكان محمد علي باشا قد اعتبر من أول واجباته القضاء على عادة الثأر التي لم تزل متبعة على نطاق واسع حتى لدى العرب الذين أصبحوا فلاحين مستقرين . كما أن الروس أيضا حاولوا بكل ما لديهم من قوة إنهاء عادة الثأر المنتشرة على نطاق واسع وبأشنع أشكالها لدى
--> ( 1 ) العدد 40 يعني عند العرب والفرس العدد الكبير جدا وغير المحدد .