ماكس فرايهر فون اوپنهايم

121

من البحر المتوسط إلى الخليج

شعوب القوقاز ، على الرغم من أنهم فيما عدا ذلك كانوا متسامحين جدا تجاه العادات الإسلامية الأخرى . وأخيرا فإن الباب العالي أيضا حاول قدر المستطاع قمع عادة الثأر لدى القبائل التي أصبحت مستقرة . من الناحية الأخرى تتمتع هذه المؤسسة ، أي الثأر ، ببعض المزايا أيضا عند شعب ما يزال على درجة منخفضة من التحضر . فهي تقي من انفجار الانفعالات المتوحشة التي تتحول بسرعة إلى الاعتداء الجسدي الذي يمكن أن يؤدي إلى الموت ، وذلك عندما يعرف المرء أن إرهاق الدم سيؤدي إلى إرهاق دم مقابل ، ولن يقتصر هذا على المذنب بل إن الموت سيتهدد جميع أفراد عائلته . ولعل هذا الوعي هو الذي يجعل البدو يتحاشون بمنتهى العناية والحذر ، على الرغم من الخلافات والمشاتمات الكثيرة التي تقع بينهم ، اللجوء إلى الضرب . ويمكن ملاحظة هذه الظاهرة حتى عند أبناء المدينة والفلاحين . وفي حالات الغزو والهجوم على المخيمات المعادية ونهب القوافل يحاول الجميع قدر الإمكان تجنب سفك الدماء . وفي أغلب الحالات يترك العدو الهارب وشأنه إذا ما استجاب لنداء « حوّل » بأن يتوقف ويسلم جواده وسلاحه . وهكذا يعزز مبدأ الثأر احترام حياة الإنسان واحترام الإنسان نفسه . ولا شك في أن اعتزاز البدوي ، وخاصة تجاه المدنيين والفلاحين الذين تمنعهم الحكومة من ممارسة العادة العربية الثأر ، يعود بمقدار كبير إلى شعوره بأنه يتمتع بحماية عائلته وقبيلته وأنهم سيثأرون له إذا ما لحق به أي مكروه . [ حق الحماية واللجوء ] وهناك مؤسسة أخرى قديمة ومتميزة الطابع كمؤسسة الثأر هي « حق الحماية واللجوء » ( الدخالة ) . وتنبع هذه الظاهرة من صفة هي من أنبل جوانب الطبع العربي ألا وهي رحابة الصدر الشجاعة المتمثلة في تقديم الحماية للملاحق ضد أعدائه وللضعيف والعاجز ضد القوي . كل غريب يدخل خيمة البدوي أو يطأ المنطقة الواقعة داخل حبال الخيمة يتمتع ، طالما هو موجود هناك ، بحق الحماية من صاحب الخيمة . وإذا ما تناول شخص الطعام مع بدوي فإنه يبقى ، عند مغادرة الخيمة ، تحت حمايته مدة ثلاثة أيام وثلث وذلك لأن البدو يعتقدون أن الطعام يبقى في معدة الضيف هذه المدة . فإذا ما تعرض الضيف خلال هذه المدة للسرقة