ماكس فرايهر فون اوپنهايم

104

من البحر المتوسط إلى الخليج

عندئذ سيتبين ما إذا كان البدو ، بعد التضييق عليهم من جميع الجهات سيستطيعون أو سيريدون الاقتصار في حياتهم على تربية المواشي والتخلي عن الغزو وأعمال السلب ، أم إنهم سيفقدون القدرة على إيجاد أساليب العيش ويضطرون إلى التحول إلى الزراعة أو للعودة إلى المناطق التي جاءوا منها وهي صحارى شبه الجزيرة العربية « 1 » .

--> ( 1 ) هناك مثال ملفت للانتباه يشير إلى أن تصرف الحكومة بموجب خطة هادفة بالمعنى المذكور قادر على جعل البدو يغيرون طريقة حياتهم ، هو مثال مصر . هنا كانت تسود حتى عهد محمد علي باشا ظروف مشابهة تماما للظروف السائدة في سورية ومنطقة ما بين النهرين . خارج المناطق الزراعية التي كان يستغلها الفلاحون المسلمون والقبطيون قرب النيل وتفرعاته وقرب القنوات القليلة التي كانت موجودة آنذاك ، كان يعيش البدو ويتصرفون كأسياد مستقلين . وخلال فترة الغزو الفرنسي لمصر شكلوا عنصرا حربيا لا يستهان به . وقد واجههم محمد علي العبقري بطريقة في غاية الذكاء . بعد أن استغلهم بقوة لكي يضمن لنفسه الحكم في مصر ، استخدم آلافا كثيرة من أبناء الصحراء المدربين على القتال في حملاته العسكرية ضد الأتراك وفي شبه الجزيرة العربية . وكما رأينا بقي جزء من الهنادي الذين أخذهم إلى سورية في حلب حيث ما زالوا حتى اليوم يشكلون قبيلة مستقلة قادرة على الحياة . وكأجر لقاء الخدمات التي أدوها أعطى شيوخ العديد من القبائل أراضي غير عامرة ولكنها صالحة للزراعة . وفي الوقت نفسه أجبر البدو بطريقة لا رحمة فيها على ترك الفلاحين في هدوء وسلام . في البداية لم يستعمل سوى جزء صغير من البدو الأراضي المعطاة له لأغراض الزراعة . ولكن شيئا فشيئا اقتنعوا بأن العمل في الزراعة يوفر لهم مستوى معيشيا أعلى مما توفره لهم تربية الماشية والإبل والخيول . ( أما تربية الأبقار والثيران والجواميس فإن البدوي المصري كان وما زال يعتبرها عملا مهينا . والعرب الذين يربون الأبقار [ البقارة ] لا نجدهم إلا في أماكن أبعد نحو الأعلى ، في بعض أجزاء السودان ) . إضافة إلى ذلك فإن المراعي الجيدة أصبحت أقل ، ووجود قوات محمد علي وخلفائه من رجال الجيش والشرطة جعل إمكانيات غزو المناطق الزراعية ، حسب عادات البدو ، مستحيلا ، ولذلك اضطر أولئك البدو ، الذين لم يكونوا مستعدين للتخلي عن قطعانهم وعن عادات الغزو ، إلى الانسحاب إلى الأراضي الواقعة شرق وغرب منطقة النيل والدلتا . غير أن الطابع الخاص للصحراء المصرية ساهم هنا في إجبار أجزاء متزايدة من البدو المنسحبين على العودة إلى المنطقة الخصبة حيث اضطروا إلى التحضر والخضوع لتعليمات الحكومة . إذ إن الصحارى المصرية تختلف عن -