علي بن موسى الغرناطي الأندلسي

206

المغرب في حلي المغرب

وظهرت فيه صرامته ، إلا أنه استحال حين اشتدّت الأمور عليه ، فصار يعذّب على الأموال ، ويرتكب في شأن تحصيلها القبائح ، ويسلخ الوجوه ، وينفخ في الأدبار ، وقتل حتى أخته وأولادها ، ولم يزل في ملكه إلى أن مات على فراشه . وبعده صارت مرسية ليوسف بن عبد المؤمن وتوالت عليها ولاة بني عبد المؤمن ، إلى أن ثار بها منهم عبد اللّه بن المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن ، وصحت له الخلافة ، إلى أن ثار بهجاتها : 518 - المتوكل محمد بن يوسف بن هود الجذاميّ « 1 » وادّعى أنه من بني هود الذين كانوا ملوكا بثغر سرقسطة ، وآل أمره إلى أن ملك مرسية ، ونهض إليه مأمون بني عبد المؤمن ، وحصره بها ، فانصرف عنه ، فثارت بلاد الأندلس على المأمون ، وانقادت لابن هود . وكان ذلك في سنة خمس وعشرين وستمائة ، وصدرت المخاطبات عنه بأمير المسلمين المتوكل على اللّه . وكان عامّيا جاهلا مشؤوما على الأندلس ، كأنما كان عقوبة لأهلها ، فيه زويت محاسنها ، وطوي بساطها ، ونثر سلكها ، جبرها اللّه . تحرك أوّل أمره إلى غربها ، فهزمه النصارى على المدينة العظمى ماردة ، ثم أخدوها ، وسلسلوا في أخذ ما حولها ؛ وما زالوا يأخذون المدن والمعاقل في حياته ، ويهزمونه هزيمة بعد أخرى ، إلى أن أراح اللّه منه على يد وزيره محمد ابن الرميمي قتله بالليل غيلة في مدينة المريّة ، وقد نقب نقبا في قصره . وثار أعيان الأندلس بعده في البلاد ، ولم ينقادوا لوالده الذي لقبه بالواثق ، وأخرجه عمّه من مرسية . وآل أمر مرسية إلى أن جعلت لعمّ المتوكل بن هود ، بفريضة للنصارى وخدمة . ومما اشتهر من حكاياته المضحكة في الجهل أنه لما دخل مرسية ، وبايعه أهلها على الملك ، وصلّى الجمعة خلف الإمام ، سلّم الإمام ، فردّ رأسه إليه ابن هود ، وقال بصوت عال : وعليك السلام ورحمة اللّه وبركاته . فأضحك من حضر . وولي قرابته الأرذلين من بين شعّار ، وخبّاز ، وقيّم حمّام ، ومناد ، على ممالك الأندلس ، فقضى ذلك بتشتيت شملها ، واللّه يعيد بهجتها .

--> ( 1 ) انظر ترجمته في أعمال الأعلام ( ص 277 ) ونفح الطيب ( ج 1 / ص 207 ) .