لسان الدين ابن الخطيب
91
معيار الإختيار في ذكر المعاهد والديار
أذهانها النيرة متحيرة ، وأقطارها جد شاسعة ، وأزقتها لزجة « 76 » غير واسعة ، وآبارها تفسدها أزفارها ، وطعامها لا يقبل الاختزان ، ولا يحفظ الوزان ، وفقيرها لا يفارق الأحزان ، وجوعها ينفى به هجوعها ، تحث « 77 » على الأمواج أقواتها ، وتعلو على الموازين غير القسط أصواتها ، وأرحيتها تطرقها النوائب ، وتصيب أهدافها السهام الصوائب ، وتعد بها الجنائب ، وتستخدم فيها الصبا والجنائب ، وديارها الآهلة بالسكان قد صم بالنزائل صداها ، وأضحت بلاقع بما كسبت يداها ، وعين أعيانها أثر ، ورسم مجادتها قد دثر ، والدهر لا يقول لعا لمن عثر « 78 » ، ولا ينظم شملا إذا انتثر . وكيف لا يتعلق الذام ، ببلد يكثر به الجذام ! محلة بلواه آهلة ، والنفوس - بمعرة عدواه - جاهلة . ثم تبسم عند انشراح صدر ، وتذكر « 79 » قصة ( 104 : ب ) الزبرقان بن بدر « 80 » . تقول هذا مجاج النحل تمدحه * وان ذممت تقل « 81 » قىء الزنابير مدح وذم ، وعين الشيء واحدة * ان البيان يرى الظلماء كالنور « 82 »
--> ( 76 ) في نسخة ( س ) « حرجة » . ( 77 ) في نسخة ( ط ) « تحط » بدل « تحث » . ( 78 ) مثل يضرب عند العرب ، ومعناه : أن الدهر لا يدعو لك بالانتعاش إذا عثرت . ( 79 ) في نسخة ( س ) « وذكر » بدل « وتذكر » . ( 80 ) تتلخص قصة الزبرقان بن بدر في : أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل عمرو ابن الاهتم عن الزبرقان بن بدر ، فقال : « مانع لحوزته ، مطاع في أدنيه » فقال الزبرقان : أما أنه قد علم أكثر مما قال ، ولكنه حسدنى شرفى ، فقال عمرو : « أما لئن قال ما قال : فوالله ما علمته الا ضيق الصدر ، زمر المروءة ، لئيم الخال ، حديث الغنى » ، فلما رأى عمرو أنه قد خالف قوله الأول ، ورأى الانكار في عيني الرسول ، قال : « يا رسول الله ، رضيت ، فقلت أحسن ما علمت ، وغضبت فقلت أقبح ما علمت ، وما كذبت في الأولى ، ولقد صدقت في الأخرى » فقال الرسول عند ذلك : « ان من البيان لسحرا » . أنظر : الجاحظ في « البيان والتبيين » . ج 1 ص 52 . ( 81 ) في نسخة ( ط ) « فقل » . ( 82 ) في نسخة ( ط ، س ) « في النور » بدل « كالنور » .