لسان الدين ابن الخطيب
72
معيار الإختيار في ذكر المعاهد والديار
أما بعد ، ساعدك السعد ، ولان لك الجعد « 3 » ، فان الانسان - وان انصف بالاحسان ، وإبانة اللسان ، لما كان بعضه لبعض فقيرا ، نبيها كان أو حقيرا . إذ مؤنه « 4 » التي تصلح بها حاله . لا يسعها انتحاله - لزم اجتماعه وائتلافه على سياسة يؤمن معها اختلافه ، واتخاذ مدينة يقر بها قراره ، ويتوجه إليها ركونه وفراره ، إذا رابه أضراره ، ويختزن بها أقواته التي بها حياته ، ويحاول منها معاشه الذي به انتعاشه ، فإن كان اتخاذها جزافا واتفاقا ، واجتزاء ببعض المآرب وارتفاقا ، تجاول « 5 » شرها وخيرها ، وتعارض نفعها وضيرها ، وفضلها - ( 98 : أ ) في الغالب - غيرها ، وان كان عن اختيار ، وتحكيم معيار ، وتأسيس حكيم ، وتفويض للعقل وتحكيم ، تنافر إلى حكمها النفر ، وأعمل السفر ، وكانت مساوئها - بالنسبة إلى محاسنها - تغتفر ، إذ وجود الكمال فاضح للآمال ، ولله در القائل : ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها * كفى المرء فخرا أن تعد معايبه وبحسب ذلك : حدث من يعنى بالاخبار ينقلها ، والحكم يصقلها ، والاسمار ينتقيها ، والآثار يخلدها ويبقيها ، والمجالس يأخذ صدورها والآفاق يشيم « 6 » شموسها وبدورها ، والحلل يعرف دورها ، ويأكل قدورها ، والطرف يهديها ، والخفيات يبديها . وقد جرى ذكر تفضيل البلدان ، وذكر القاصي والدان ، ومزايا الأماكن ، وخصائص المنازل والمساكن ، والمقابح والمحاسن ، والطيب والآسن « 7 » .
--> ( 3 ) الجعد : في الأصل هو الشعر غير المنسق ، والسياق ينصرف إلى اللئيم البخيل . ( 4 ) في نسخة ( س ) « مؤنتة » بدل « مؤنه » . ( 5 ) تجاول : يقال ، تجاول القوم في الحرب ، أي جال بعضهم على بعض . ( 6 ) يشيم : يعلم ، يقصد أنه ذو دراية بمطالع الشمس والقمر في هذه البلاد . ( 7 ) الآسن : من الماء المتغير الطعم واللون والرائحة .