لسان الدين ابن الخطيب

53

معيار الإختيار في ذكر المعاهد والديار

ومن أنواع القصص أيضا عند العرب القصص التاريخي البطولي ، كقصة عنترة بن شداد في حروبه ، وسيف بنى يزن في كفاحه ، وحرب البسوس في طولها وشناعتها ، ومنها القصص العاطفى ، كقصة « قيس المجنون بليلاه » ، وعنترة العاشق لعبلة ، وكثير الواله بعزة ، إلى آخر هذه الألوان القصصية ، التي تزخر بها كتب الأدب العربي ، وبعض التراجم الأجنبية . على أنه من الملحوظ أن القصة العربية تطورت مع الزمن ، واتخذت في كل عصر طابعا خاصا ، رقيا عما قبل ، مع متانة في البناء ، منذ الجاهلية حتى عصرنا الحاضر ، وقد تولد عن التصرف في تركيبها نوع خاص منها ، وهو ما سمى - بين فنون النثر العربي - باسم « المقامة » ، والتي ترتكز على العناية بالأسلوب ، وتغليب الشكل على الجوهر ، فمن مقوماتها البلاغية السجع والجناس والكناية والتلاعب بالألفاظ ، ومن مقوماتها اللغوية طائفة ضخمة من شوارد اللغة ، وشواذ القواعد النحوية ، ومن مقومات أسلوبها - كذلك - تضمينها بعض آيات القرآن الكريم ، أو الحديث النبوي ، أو الحكم والأمثال ، أو المنثور أو المنظوم ، كما تشتمل المقامة على المعلومات الفقهية والطبية والعروضية والتاريخية ، إلى غير ذلك مما عرف في عصر المولعين بصناعتها . فالمقامة - اذن - نوع من الترف الأدبي ، وميدان للتدليل على مبلغ معرفة المؤلف بالعلوم والفنون على اختلاف أنواعها ، وقد ابتدعها « بديع الزمان الهمذاني » من أشهر أدباء العصر العباسي ، ويقال : انه أنشأ حوالي أربعمائة مقامة ، ولكن لم يظفر الناس منها اليوم بأكثر من نيف وخمسين مقامة ، ومن مقاماته الشهيرة المقامة القريضية ، نسبة إلى القريض ، وهو الشعر ، لأنه موضوعها ، والمقامة الخمرية ، والمقامة الجاحظية ، والمقامة الدينارية ، والمقامة البصرية ، والمقامة الكوفية ، ثم قلده في نفس العصر كثيرون ، ولكن الحريري كان بارعا فيها أيضا ، ومن مقاماته المعروفة مثلا « المقامة الصنعائية » نسبة إلى صنعاء ، احدى مدن اليمن المشهورة .