لسان الدين ابن الخطيب

54

معيار الإختيار في ذكر المعاهد والديار

أما ما ذا يقصد بالمقامة عموما فهو تصوير بؤس الأدباء ، واحتيالهم أحيانا لكسب عيشهم ، ولها راوية ينقل الخبر ، وبطل تدور حوله حوادثها . على أن هذه المقامة قد اختفت من الأدب العربي بعد ناصف اليازجى اللبناني في كتابه : « مجمع البحرين » ، ومحمد المويلحى المصري في كتابه ذي الشبه الكبير بالمقامة « حديث عيسى بن هشام » ، إذ لم يعد أحد بعدئذ يلتفت إلى هذا اللون الأدبي من أدباء عصرنا الحاضر . هذا ، وقد كان من الطبيعي أن ينتقل فن المقامة من المشرق - منذ ظهوره - إلى الأندلس ، وذلك عن طريق الرحلات التي قام بها كثير من الاندلسيين إلى الشرق يطلبون العلم ، والذين عادوا إلى موطنهم بعد أن درسوا - ضمن ما درسوا - هذا الفن ، فنشروه بين مواطنيهم ، وقد لوحظ أن مقامات بديع الزمان الهمذاني ورسائله - التي أشرنا إليها - قد ذاعت خصوصا في عهد ملوك الطوائف بالأندلس ، فقد قام بعض الأدباء الاندلسيين يومئذ بمعارضة هذه الرسائل والسير على نمطها ، ومن هؤلاء الأديب عبد الله محمد بن شرف القيرواني ، الذي عارض مقامات البديع ، حسبما يروى ابن بسام عن هذا الأديب المعاصر للمعتضد بن عباد بأشبيلية 434 - 461 ه ( 1042 - 1068 م ) . كذلك روى ابن بسام عن الشاعر أبى المغيرة عبد الوهاب بن حزم المتوفى حوالي سنة 420 ه ( 1029 م ) أن هذا الأخير عارض رسالة للهمذانى في وصف غلام ، وفي موضع آخر من كتاب الذخيرة يورد ابن بسام أجزاء من مقامتين ، إحداهما لأبي حفص عمر الشهيد ، والأخرى لأبي محمد بن مالك القرطبي ، وهذان الأديبان عاشا في عهد المعتصم بن صمادح بمدينة المرية الأندلسية 443 - 484 ه ( 1051 - 1091 م ) . ونزيد تعريفا بصلة المغرب بالمشرق حول فن المقامة ، فنذكر أيضا أنه في أوائل عهد المرابطين بالأندلس انتشرت مقامات الحريري بالمغرب على مدى واسع ، في الوقت الذي انتشرت فيه بالشرق ، واهتم علماء