لسان الدين ابن الخطيب
52
معيار الإختيار في ذكر المعاهد والديار
قيمة الكتاب الأدبية ومدى صلته بفن المقامات في الأدب العربي ذكرنا أن « معيار الاختيار » قد جاء في صورة قصة محدودة ، والقصة من أدق الفنون الأدبية وأصعبها تركيبا ، وهي تتمتع من بين سائر فنون الأدب بالذيوع والانتشار ، لما تشتمل عليه من استمالة القلوب ، وامتناع النفوس ، فالآداب العالمية قد زخرت بهذا اللون الغنى منذ أقدم العصور ، ولقد ورثنا عن العرب منذ جاهليتهم ذخيرة نفيسة من القصص ، تناولها المشتغلون بالبحث والنقد درسا وتحليلا ، وانقسموا حيالها إلى فريقين متباينين ، ولكل وجهة ، فبعض المستشرقين في دراستهم للقصة العربية يرون مع « كارادى فو » أنه « لم يسبق الأدب العربي أي أدب آخر في نوع الأقاصيص ، بينما البعض الآخر يرى أن العرب - ابان حضارتهم - زودوا لغتهم بفلسفة الشعوب وعلومهم ، وتجاهلوا أدب القصة تجاهلا يكاد يكون مطلقا ، ومن ثم جهلوا أصول الفن القصصى ، فكانت قصصهم تفقد قيمتها الفنية تبعا لذلك . وانصافا للحق نقول : ان القصص العربي ذو ألوان مختلفة ، وقد حظيت بعض هذه الألوان بعناية العرب ، فراعوا في صوغها مقومات القصة ، وأسس بنائها ، فجاء هذا اللون منها تحفة فنية ، لها قيمتها وروعتها ، والبعض الآخر من ألوان القصة العربية فقد معظم هذه الأسس ، فكان مثارا للنقد ، ومحلا للملاحظة . والقصص العربي أنواع : أشهرها القصص الديني ، ومصادره التوراة والإنجيل والقرآن ، ثم ما جاء على ألسنة الرواة والمحدثين من أخبار الأولين وقصصهم ، مزج فيها القصاص الحقيقة بالخيال ، والتاريخ بالاسطورة . وكان الهدف من هذا النوع من القصص الوعظ والارشاد في معظمه ، ترغيبا في الجنة وترهيبا من النار .