لسان الدين ابن الخطيب

51

معيار الإختيار في ذكر المعاهد والديار

معلوماته عن البلدان ، فاخترق اليه جموعا بشرية من قصاده ، وخاطبه بقوله : « بي إلى تعرف البلدان جنوح وجنون ، والجنون فنون » فأجابه الشيخ موافقا ، متحفظا بأنه « لا تجود يد الا بما تجد ، والله المرشد » . وهنا يسأله الراوي عن البلاد المغربية ، بادئا منها ب « بادس » ، والشيخ يجيبه بمعلوماته عنها ، واحدة تلو الأخرى ، حتى ينتهى منها بمدينة « غساسة » ، وعندئذ « وجب اعتناء بالرحيل واهتمام ، وكل شئ إلى تمام » كما قال الشيخ ، فقد انفض عن السوق أهله ، ولم يبق الا أن ينثر الراوي دنانيره ، مكافأة طيبة لمحدثه ، فيتناول منها ما تستغنى به النفس ، وقبل أن يتهيأ للسير لم ينس - وهو الحكيم المجرب - أن يزود الراوي بنصح منظوم ، فيه مزايا التحلي بالقناعة ، والايمان بالقضاء والقدر ، والتحفظ على السر وكتمانه ، وتحاشى التعثر بالناس ، وتقوى الله تعالى ، فالقرب منه رهن بها ، وليست هناك خسارة أفدح من معصية الخالق . وأخيرا نرى الشيخ قد « ضرب جنب الحمار ، واختلط في الغمار » وبقي الراوي يتتبع أثر الشيخ ، ولكنه تعزى عن فراقه بأن « كل نظم إلى انتثار » بهذا ينهى ابن الخطيب « المجلس الثاني » ، وبانتهاء « المجلس الثاني » ينتهى الكتاب نفسه . هذا هو المنهج الذي سلكه ابن الخطيب المؤلف في كتابه « معيار الاختيار » ، وهو منهج - كما رأينا - قصصى ، دار في فلك نوع خاص من القصة ، وهذا النوع هو الذي عرف من بين فنون النثر العربي باسم « المقامة » ، متخذا من المحاورة وسيلة لتشويق القارئ والمستمع ، وبخاصة في صلب الموضوع ، عند وصفه للبلاد .