لسان الدين ابن الخطيب

46

معيار الإختيار في ذكر المعاهد والديار

حيث الماء المعين ، والقوت المعين » . وأما منتجات البلد من محاصيله ، فقد أشار إلى أن « به الأعناب التي راق بها الجناب ، والزياتين واللوز والتين ، والحرث الذي له التمكين » . وفي معرض الوصف الاجتماعي يستدرك ابن الخطيب ، ذاما أهل البلد حين يقول : « الا أنه عدم سهله ، وعظم جهله ، فلا يصلح فيه الا أهله » . أما إذا ارتأى مدينة حقيقة بمدح أحوالها الاجتماعية فهو لا يقصر في حقها ، فمثلا مدينة « المرية » - على حد قوله « محط التجار ، وكرم النجار ، ورعى الجار . ما شئت من أخلاق معسولة ، وسيوف من الجفون السود مسلولة ، وتكك محلولة ، وحضارة تعبق طيبا ، ووجوه لا تعرف تقطيبا » وهي - إلى جانب تلك الرفاهية وذلك النعيم ، واللذة والسرور المقيم - « لم تزل - مع الظرف - دار نساك ، وخلوة اعتكاف وامساك » ، فهو حريص في الوصف ، دقيق في الإحاطة ، شأن الخبير بالأماكن والبقاع . نأخذ أيضا مثالا لنهج المؤلف في الإشادة بالاجتماعيات عند الناس ، وطريقته في العرض للحقائق ، وتقصيه لها ، حين يذكر عن مدينة برشانة أن « أهلها أولو عداوة لاخلاق البداوة ، وعلى جوههم نضرة وفي أيديهم نداوة . يداوون بالسلافة علل الجلافة ، ويؤثرون علل التخلف على لذة الخلافة ، فأصبح ربعهم ظرفا قد ملئ ظرفا ، فللمجون به سوق ، وللمجون ألف سوق ، تشمر به الأذيال عن سوق ، وهي تبين بعض بيان عن عن أعيان » ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر لهذه المثالب ، يذكر أن « وغدها ( المدينة ) يتكلم بملء فيه ، وحليمها يشقى بالسفيه ، ومحياها تكمن حية الجور فيه » . هذا ، وقد ظفرت بعض المدن الأندلسية بعناية خاصة من قلم ابن الخطيب ، كغرناطة ومالقة ، ولا عجب فلكل منهما مركزها الادارى والسياسي ، فالأولى حاضرة ملك بنى الأحمر ، وزهرة المدن الأندلسية ،