لسان الدين ابن الخطيب

47

معيار الإختيار في ذكر المعاهد والديار

ولها على ابن الخطيب أياد لا تنسى ، فكان عليه أن يوفيها حقها ، وأن يعطيها مستحقها ، فيحلها - من وصفه - مكانتها اللائقة ، ولكن هذا لا يمنعه - كمؤرخ صادق - من أن يبرز لنا بعض عيوبها ، سواء في طقسها الشتوى ، وبردها الذي « يمنع الشفاه من رد التحيات » ، أو الأسعار التي « معيارها يشعر بالترهات » ، وجفاف طباع بعض أهلها ، الذي يصل إلى درجة « سوء الجوار ، وجفاء الزوار ، ونذالة الديار » ، فهذا المسلك من ابن الخطيب نحو المدن في وصفها يعطينا فكرة عن صدق قلمه ، وتحرره من أي قيد ، فغرناطة - وان كانت مقامه بجوار مخدوميه بنى الأحمر ، ومحل سلطانه وجاهه - الا أن ذلك كله لا يمنعه من اعطاء كل ذي حق حقه ، وأنه في هذا لا تأخذه لومة لائم . لنستمع اليه في شأن العاصمة النصرية ، حين يستهل وصف حمرائها : « كرسيها ظاهر الاشراف ، مطل على الأطراف ، وديوانها مكتوب بآيات الأنفال والأعراف » ، وفي معرض موقع المدينة ، يذكر لنا أن « هواءها صاف ، وللانفاس مصاف . حجبت - الجنوب عنها - الجبال ، فأمن الوبا والوبال ، وأصبح ساكنها غير مبال ، وفي جنة من النبال ، وانفسحت للشمال ، واستوفت الشروط على الكمال » ، كما يتحدث مشيدا بنهر شنيل ، وفضله على جنات غرناطة ومروجها ، فيقول « وانحدر منها ( جبل سييرا نيفادا ) مجاج الجليد على الرمال ، وانبسط - بين يديها - المرج ( فحص غرناطة ) الذي نضرة النعيم لا تفارقه ، ومدارى النسيم تفلى بها مفارقه . ريع من وادية بثعبان مبين ، ان لدغ تلول شطه تلها للجبين ، وولدت حيات المذانب عن الشمال واليمين ، وقلد منها اللبات سلوكا تأتى من الحصباء بكل در ثمين ، وترك الأرض مخضرة ، تغير من خضراء السماء ضرة ، والأزهار مفترة ، والحياة الدنيا بزخرفها مغترة » ، ان هذه الروعة البيانية ، ودقة التعابير البلاغية ، جعلت الصورة تتجسم أمامنا ، حتى لنكاد نلمس منها كل جانب .