لسان الدين ابن الخطيب
20
معيار الإختيار في ذكر المعاهد والديار
الحكم ، وبعث القاضي أبو الحسن بنوابه إلى السلطان عبد العزيز وبأيديهم هذا الحكم ، فقابل السلطان رسل غرناطة بالاستنكار ، وخاطبهم قائلا : « هلا أنفذتم فيه حكم الشرع وهو عندكم ، وأنتم عالمون بما كان عليه ! ! ! » وبالغ في اكرام ابن الخطيب ، وأضفى عليه مزيدا من عنايته . وتجدر الإشارة هنا إلى أن ابن الخطيب قد لاحظ وقتئذ قوة المغرب في عهد صديقه السلطان عبد العزيز ، ومبلغ العداء بين فاس وغرناطة وقد بلغ أوجه ، فحرض السلطان على ضم غرناطة لمملكته ، وقد رمى من وراء ذلك إلى سحق أعدائه هناك ، وتأمين مقامه بالمغرب ، وما يتبع ذلك من حماية مصالحه . ويظهر أن هذه السياسة قد لاقت قبولا عند السلطان عبد العزيز ، فصمم على تنفيذها ، وفي ذلك يقول ابن خلدون : « ثم تأكدت العداوة بينه ( ابن الخطيب ) وبين ابن الأحمر ، فرغب السلطان عبد العزيز في ملك الأندلس وحمله عليه ، وتواعدوا لذلك عند رجوعه من تلمسان إلى المغرب « 11 » » ، وبلغت ابن الأحمر رغبة ملك المغرب هذه ، فتخوف لذلك كثيرا ، وأسرع إلى ايفاد رسله بالهدايا والتحف الثمينة إلى بلاط فاس ، آملا في نيل رضا السلطان عبد العزيز ، واتقاء شره . ثم تفاجئ الظروف الموقف ، فيموت السلطان عبد العزيز بعدئذ بقليل ، ويجلس على عرش المغرب ابنه « أبو زيان محمد السعيد » طفلا في الرابعة من عمره ، في ربيع الآخر 774 - 1372 م ، وقبض على زمام السلطة الفعلية وزيره « أبو بكر بن غازي » ، فتغيرت الأوضاع السياسية بالمغرب تماما ، واضطر ابن الخطيب حينئذ أن يتزلف إلى الملك الطفل ووزيره ، فألف كتابه المعروف باسم « أعمال الأعلام ، فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الاسلام » ، وفيه يبرر هذا الوضع الجديد شرعا ، وعرفا وتاريخا ، وأورد لذلك الأشباه والنظائر ، ردا على المناهضين بالمغرب ، وخاصة بنى الأحمر وعملائهم .
--> ( 11 ) ابن خلدون في « العبر » ج 7 ص 338 - 341 .