محمد العامري الغزي

71

المطالع البدرية في المنازل الرومية

لتكمل في حقّه الإهانة ، فنعوّذ بالله من زوال النعم ومفاجأة النقم ، فطلع من الشّام أعز طلوع ورجع إليها - والعياذ [ 29 أ ] بالله - أذلّ رجوع « 1 » ، فلمّا وصله ذلك الخبر حار وجبن وخار ، ولاذ واستجار ، وذلّ بعد تجبّر « 2 » وما أذلّ من هو جبّار ، وانكسر بعد فخره وتكبّره وما أسرع كسر الفخّار ، وقد دخلت عليه بعد بلوغي هذا الخبر ، فوجدته في غاية الذلّة والاتضاع والاختضاع ، ووجهه ممتقع غاية الامتقاع ، ومنتقع نهاية الانتقاع ، وهو وجماعته كما قال الله تعالى إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ « 3 » ، فتوجّع واشتكى وتأوّه وبكى ، ثم أظهر الجلد وأضمر البلوى ، وقال الحمد لله ما لأحد علينا تبعة ولا شكوى ، ولا ظلامة ولا دعوى ، وسوف يعلم أهل الشّام مقدار أيّامنا وحسن أقضيتنا وأحكامنا . فطيّبت قلبه ، وسكّنت لبّه ، وقلت له : لا تخش من الرجوع ؛ فإنّ مقامك عند النّاس مرفوع ، وهذا إن شاء الله آخر القطوع ، ثم عانقني معانقة المثكل المفجوع ، وسقينا نبات الخدود بمياه الدموع ، ثم أنجد وأتهمت ، وأيمن وأشأمت [ 29 ب ] ، فعاد هو من الغد إلى الشّام ، وانتقض من حبله الإبرام ، وتهتّك حجابه ، وانفضت عنه أحزابه ، وشائنة أحبابه وأصحابه ، وتقطّعت أسبابه ، وأبيعت أمتعته وأسبابه ، وبيوته ، وعماراته ، وبساتينه ، وجنيناته ، وأراضيه وقراه ، وأعيد لأربابه كل ما كان اغتصبه أو اشتراه ، وتعدّى ذلك إلى سائر جهاته وجهات « 4 » زوجاته وبناته ، وخرج عليه من كان داخلا فيه وراكنا إليه ، وشدّد عليه في الحساب من كان يعدّه من الأحباب ، فأتاه الخوف من جانب الأمن ، ومن حيث أمل الربح جاءه الغبن : [ من الرّجز ]

--> ( 1 ) وقع في مسودة المؤلف ( م ) تشطيب بما يعادل ورقة مضمونها بعض ما نسب لابن الفرفور من أخطاء وترّهات ، يتضح ذلك من السطر الأول الذي يمكن قراءاته : « وكان مما انتقد عليه ونسب من أنواع القبيح إليه أمور منها . . . » . ( 2 ) وردت في ( م ) : « تجبره » . ( 3 ) سورة غافر آية 18 . ( 4 ) وردت في ( م ) : « جهاز » .