محمد العامري الغزي
286
المطالع البدرية في المنازل الرومية
بالمواسط أمر الله تعالى باجتماع الرياح المختلفة ، وتفريق تلك الواحة المؤتلفة ، فضربنا في البحر يمينا ويسارا ، وسرنا [ 156 ب ] إقبالا وإدبارا ، وتدفعت « 1 » الأمواج وعظم الارتجاج ، وعصفت الجنوب ، وعسفت الجنوب ومسي السفر ما كان ، وجاءهم الموج من كل مكان ، فرجفت القلوب وخرست الألسن ، وجرت الرياح بما لم تشته السفن . وقد اشتدت علينا الرياح الغربيّة ، وتحكّمت فينا المياه البحريّة ، ولم نزل في تلك السفينة بين قوادمها وخوافيها ، نلاحظ المنايا حينا وحينا نوافيها ، قد تبدّلنا من ظل علا ومفاخر ، بقفر بحر طامي اللجج زاخر ، ومن صهوات الخيول المسرجة ، بلهوات بحر امتطينا ثبجه ، ولم نزل نعاني أليم الوجد وعظيم التبريح ، إلى أن أذن الله سبحانه بسكون الريح ، ثم أرسينا بعد عناء طويل بمرساة القرية المعروفة بالديل « 2 » ، ثم ترحّلنا من تلك المرسى ، وتبدّلنا من تلك الوحشة أنسا ، ونزلنا عند العشية بقرية هناك سكن « 3 » ينكجرية ، فبتنا جميعا بها ، ولم نفرق بين ظهر المطر وقبتها ، فلمّا بدا من الفجر سفور ، ونثر للصبح كافور ، [ 157 أ ] وأحرقت فحمة الليل عنبر الصباح ، وخبا من النجوم الزهر كل مصباح ، ترحّلنا من ذلك المنزل ، وتركنا الراحة عنّا بمعزل ، وسرنا في دربندات ووداة ، كثيرات الأشجار الملتفة والمياه ، إلى « 4 » أن تضاحى النهار ، واستبان رونقه « 5 » واستنار ، فنزلنا بقرية تعرف بقرية الدّروند « 6 » ، بها مياه شديدة البرد ، وأشجار طيبة النشر كالعرار والرند .
--> ( 1 ) وردت في ( ع ) : « وتدفقت » . ( 2 ) الديل : معناه لسان البحر ، قرية على خليج أوسع من خليج أسكدار . انظر : رحلة الشتاء والصيف 188 وذكرها الخياري 1 : 237 ، 2 : 111 : أسكلة الديل . ( 3 ) وردت في ( ع ) : « سكين » . وينكجرية : كلمة تركية معناها : الجيش ( الجند ) الجديد ( لطف السحر - هامش المحقق 1 : 108 ) . ( 4 ) ساقط من ( ع ) . ( 5 ) وردت في ( ع ) : رديفه . ( 6 ) لم نهتد إلى ضبط وتحديد هذا الموضع ولعله ما ذكره القرماني ( أخبار الدول 3 : 371 ) : « درندة ، مدينة من بلاد الرّوم » .