محمد العامري الغزي
287
المطالع البدرية في المنازل الرومية
ثم أخذنا في أهبة الترحال ، ورحلنا منه بعد الزوال ، وسرنا في فياف كثيرة التراب والعجاج ، واسعة الشعوب والفجاج ، شديدة الحرّ والسموم ، ( ماؤها بعد قوة محموم ، ونسيمها بعد تنفسه مزكوم ، وسحاب وخير مركوم ، وثوب حميمه مرقوم ) « 1 » . ثم انتهينا إلى تلال وأوعار ، وأشجار من شجر البادية صغار وكبار ، إلى أن أشرفنا على بحرة أزنيق ، ذات المنظر الأنيق ، والوجه الشريق ، وهبّ نسيم الروح منبعثا بما به الروح تحيا بعد موت وتبعث ، وعاد إلى الأجسام [ 157 ب ] رونق حسنها وكادت به تفنى حقيقا وتجدث . ( ثم مسينا ساحلها على بساط أخضر ، وأديم أنضر ) « 2 » ثم لم نزل في طريقنا ذلك نتجوّل على تلك المنازل ، ونتحوّل في هاتيك الخمائل . ودخلنا البلدة والشمس مرضى أصائلها ، والربى معصفرة وصائلها ، ونزلنا بها بعمارة منسوبة للوزير الأعظم الهمام إبراهيم باشا والد عيسى باشا نائب الشّام ، وبتنا بها ليلة الاثنين سادس عشرين شوال ، ونحن في أحسن حال وأيسر بال . ثم رحلنا عندما اكتهل من الليل الشباب « 3 » ، وشمّر ذيله للهرب والذهاب ، وأقبلت تباشير الصباح تترى ، وأخفى الأفق زهرا وأظهر رهزا ، وسرنا ساعة بجانب شاطيء « 4 » بركتها ، ثم ارتقينا على كاهل عقبتها ، ثم أظلم الجوّ ، وتراكم النو ، وارتفع الصحو ، وتبدّل بالكدر الصفو ، وهما الغمام ، وأرسلت شآبيب الأمطار كالسهام ، وغلب اليأس على الأمل ، [ 158 أ ] وقلت : أنا الغريق فما خوفي من البلل ، ولم نزل في صعود وهبوط ، ورجاء وقنوط ، وبسط وقبض ، ورفع وخفض ، لا نرى مفعولا إلّا للفاعل المختار ، ولا نشهد موصولا إلّا وقد انفصل عن صلته وعوائده بلا اختيار ، والحال عن المكاره لا تتميّز ، وقد أحوج ابتداء السير فيها إلى خير انقضائه وأعوز ، فلا ترى إلّا التعجب من هذا النعت ، والتقلّب بين العوج والأمت « 5 » ، والأكف مرتفعة
--> ( 1 ) ما بين القوسين ساقط من ( ع ) . ( 2 ) ما بين القوسين ساقط من ( ع ) وفي ( م ) علاه التشطيب . ( 3 ) وردت في ( ع ) : « أسباب » . ( 4 ) ساقطة من ( ع ) . ( 5 ) الأمت : الارتفاع .