محمد العامري الغزي
255
المطالع البدرية في المنازل الرومية
الوجل ، إلى أن اهتدينا بعد أن كدنا نضل ، إلى المنزل المعروف بدل ، وهو منزل إلى جانب البحر بين تلال في مضيق ، ومنها ينزل في المعديّة إلى قرب أزنيق « 1 » فيقرب على الناس الطريق ، وبها عمارة لابن هرسك للقاطنين والواردين ، وعند المعديّة على الدرب خان للمسافرين ، وبظاهره عين ماؤها معين ، يصب في حوض كبير لورود الواردين ، فنزلنا بذلك الخان ، إلى أن آن وقت الفجر وحان ، ونحن لا نهجع ، ولا يستقر لنا مضجع ، ودمعنا ودمع الغمام ذارف ، وسقف الخان والسماء واكف ، فبتنا بليلة نابغية وأحزان يعقوبية وتصبرات أيّوبية ، لا نجد [ 134 أ ] من تلك البأساء ملجأ ولا مقيلا ، ونلقي من أعيننا وأعين المزن بالليل قبل النهار سبحا « 2 » طويلا ، فعندما تجلّى وجه السحر ، وذبح لضيف الصباح مطيّة الظلام ونحر ، خف القطر وقل ، وتنازل من الوبل إلى الطل ، فأخذنا في الترحال ، وركبنا متون تلك الأوحال ، وسمونا مع الماء سموّ حبابه حالا على حال . ولم نزل نقطع مهامه وقفار ، ونجوز في أودية كالبحار ، يندهش بزمع فيها البصر ويحار ، إلى أن وصلنا إلى كيكثبزة « 3 » ضحوة النهار ، فما ملنا إلى النزول ولا عجنا ، ولا عوّلنا على غير المسير ولا عرّجنا ، واستمر السير ذلك النهار جميعه والسحاب لا يكفكف دموعه ، والشمس متسترة بخدرها لا تبرح خوف ذلك الزلق من وكرها ، والأرض لا تثبت الرجل من كثرة الوحل على ظهرها ، وتلك الجياد ترسف فيه كالراسف في الأقياد ، وقد ضني من ذلك القلب والفؤاد ، والثياب منقوشة بأيدي الخيل من العاتق إلى الذيل ، ووافانا [ 134 ب ] ( في
--> ( 1 ) أزنيق : تقدّم التعريف بها ، وهي مدينة تركية قرب شواطئ بحر مرمرة الشرقيّة ، وهي مدينة أثرية ، كان اسمها في القديم « نيقية » ، وهي من فتوح السلطان أورخان غازي ، مرّ بها الرحالة المشهور بكبريت ، والرحالة الخياري ( انظر : رحلة الشتاء والصيف 189 ، رحلة الخياري 1 : 235 ، أخبار الدول 3 : 306 ) . ( 2 ) هكذا وردت في الأصل وفي ( م ) ، ووردت في ( ع ) : « شيئا » . ( 3 ) كيكثبزة : لم نهتد إلى تحديد موضعها ولعلها هي ذاتها قيبزة أو كيبزة التي ذكرها الرحالتان كبريت والخياري . انظر : رحلة الشتاء والصيف 188 ، ورحلة الخياري 1 : 237 .