حاجي محمد بيك خان

62

رحلة أبي طالب خان إلى العراق واوروبا

إحساسا « 1 » طيبة ، وقد كنت رأيت في سياحتي خليج « 2 » جنوة ومضيق الدردنيل ولكن لم يظهر لي ذاك ولا هذا موازيا لما هو نصب عينيّ « 3 » . وفيما بعد الظهيرة ذهبنا لزيارة المدينة ، ولكن داخلها لا يناسب ظاهرها ، فليس فيها عمارة فخمة ولا تستعمل إلّا لإرساء السفن الّتي تنقل إليها التجارات وليس فيها إلّا شارع واحد طوله نصف ميل في أكثر تقدير ، ومع هذا يرى الإنسان عدّة دكاكين معروض فيها التفاح والكمثري والعنب وأكثر ما فيها فواكه جافة ، ولما وفينا ما في أنفسنا من حب الاطلاع ، ذهبنا إلى البريد وسلمنا إليه كتبنا ، وسيّدة الدار الّتي سكناها وقد كانت كريمة التضييف جدا رجت منا البقاء للغداء ، وخدمتنا حين تغدّينا هي وأبناؤها وبناتها ، وكان الطعام من السمك ولحم البقر والبطاطس ، من الأنواع النفيسة جدا ، ولم آكل شبيها لها في النفاسة في حياتي ، وكل هذه السلع مشهورة في مدينة كورك هذه ، وسفن لندن تأتيها تتسوق وتتزود من أسواقها ، ولما قرب حين رجوعنا إلى السفينة أردنا أن ندفع ثمن غدائنا ، كما هو العادة في أوروبا ولكن مضيفتنا لم تقبل شيئا منّا ، وأرادتنا ، فوق ذلك ، على أن نجيئها في الغد لنزور المدينة ، وقالت لنا إنّ فيها كثيرا من التحف والنوادر ، فقبلنا ما دعتنا إليه ، وفي الغد صباحا صرنا إلى دارها فقدّمت لنا أفراسا وكلفت ابنها باستصحابنا . إنّ سيرة هذه السيّد الطيبة أعجبتني جدا ، وكان لها واحد وعشرون ولدا « 4 » ، بقي منهم في الحياة ثمانية عشر ، وهم يسكنون معها ، ولم أقدر عمرها بأكثر من ثلاثين سنة . وبعد أن سرنا قرابة ثلاثة أميال بلغنا شاطئ « لي » وهو نهر قد رست فيه عدّة سفن صغار ، وفي هذا الموضع طوف كبير ، وإذ كانت أفراسنا مروضة ذللا وضعناها فيه بسهولة وهكذا عبرنا النهر . ومن هنا إلى كورك

--> ( 1 ) الإحساس جمع الحس . ( 2 ) يعني الخليج الّذي سيذكره في سياحته وإذ كتب سياحته بعد أن رأى جميع ذلك فهو يحيل على ما لم يذكره كأنّه قد ذكره . ( 3 ) هذه الجملة الأخيرة تدلّ على تحيز الرحالة . ( م ) . ( 4 ) الولد عند العرب للذكر والأنثى .