ابراهيم بن محمد الاصطخري ( الكرخي )
42
المسالك والممالك ( ط مصر )
وبحذائها من شمالي النيل مدينة صغيرة يقال لها بوصير ، بها قتل مروان بن محمد ، ويقال إنّ سحرة فرعون الذين حشرهم في يوم موسى من بوصير ؛ فأما أسوان فإن بها نخيلا كثيرا وزروعا ، وهي أكبر مدن الصعيد ، وإسنا « 1 » وإخميم متقاربتان في العمارة ، صغيرتان عامرتان بالنخيل والزروع ، وذو النون المصري الناسك من إخميم ؛ والفرما على شط البحيرة ، وهي مدينة صغيرة خصبة ، وبها قبر جالينوس اليوناني ، ومن الفرما إلى تنّيس نحو فرسخين في البحيرة ، وبتنّيس تل عظيم مبنى من أموات منضّدين بعضهم على بعض ، يسمى هذا التل بوتون ، ويشبه أن يكون ذلك من قبل موسى عليه السلام ، لأن أرض مصر في أيام موسى كان دينهم الدفن ، ثم صارت للنصارى ودينهم الدفن ، ثم صارت للإسلام ، ورأيت عليهم أكفانا من جنس الخيش ، وجماجم وعظاما فيها صلابة إلى يومنا هذا ؛ وعين شمس ومنف هما قريتان قد خربتا ، كل واحدة منهما من الفسطاط على نحو أربعة أميال ، وعين شمس من شمالي الفسطاط ومنف من جنوبيّه ، ويقال إنهما كانتا مسكنين لفرعون ، وعلى رأس جبل المقطم في قلّته مكان يعرف بتنّور فرعون ، يقال إنه كان إذا خرج من أحد هذين الموضعين يوقد فيه ، فيعدّ في المكان الآخر ما يعدّ له . وفي نيل مصر مواضع لا يضر فيها التمساح ، منها عند الفسطاط وبوصير وغير ذلك من أماكن معروفة ؛ وحوالي الفسطاط زرع ينبت مثل القضبان يسمى البلسان ، يتخذ منه دهن البلسان ، لا يعرف بمكان في الدنيا إلا هناك ؛ وأما العبّاسة وفاقوس وجرجير فإنها من أرض الحوف ، ويعرف شمالىّ النيل أسفل من الفسطاط بالحوف ، وجنوبيه بالريف ، ومعظم رساتيق مصر وقراها في هذين الموضعين . وأما معدن الذهب فمن أسوان إليه خمسة عشر يوما ، والمعدن ليس في أرض مصر ولكنه في أرض البجة وينتهى إلى عيذاب ، ويقال إن عيذاب ليست من أرض البجة ، وإنما هي من مدن الحبشة ، والمعدن أرض مبسوطة لا جبل فيها ، وإنما هي رمال ورضراض ، ويسمى ذلك المكان الذي فيه مجمع الناس العلّاقى ، وليس للبجة قرى ولا خصب فيه غناء ، وإنما هم بادية ولهم نجب ، يقال إن ما في النجب أسير منها ، ورقيقهم ونجبهم وسائر ما بأرضهم يقع إلى مصر وبمصر بغال وحمير ولا يعرف في شئ من بلدان الإسلام أحسن ولا أثمن منها ، ولهم من وراء أسوان حمير صغار في مقدار الكباش ، ملمّعة تشبه البغال الملمّعة ، إذا أخرجت من مواضعها لم تعش ، ولهم حمير يقال لها السملاقيّة بأرض الصعيد ، زعموا أن أحد أبويها من الوحشي والآخر من الأهلى ، فهي أسير تلك الحمير ، وبالجفار حيّات في مقدار الشبر ، تثب من الأرض حتى تقع في المحامل فتلسع ، وأهل مصر في أخبارهم يزعمون أن الجفار في أيام فرعون كانت معمورة بالقرى والمياه ، وأن الذي قال اللّه تعالى وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ « 2 » هو الجفار ، ولذلك سمى العريش عريشا .
--> ( 1 ) في ا وابن حوقل ص 105 : طبعة ليدن . البلينا . ( 2 ) الأعراف آية 137 .