ابراهيم بن محمد الاصطخري ( الكرخي )
26
المسالك والممالك ( ط مصر )
أرض من هذه البادية بقرب الفرات ما بين الرقة وبالس ، وهو الموضع الذي كانت به حرب معاوية وعلىّ صلوات اللّه عليه ، والحرب تنسب إليها ، ورأيت هذا الموضع من بعد ، وأخبرني من رأى به قبر عمّار بن ياسر رضى اللّه عنه ، وبيت المال الذي كان يجمع فيه الفىء لعلي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه . وأما بادية الشام فإنها ديار لفزارة ولخم وجذام وبلىّ وقبائل مختلطة من اليمن وربيعة ومضر ، وأكثرها يمن ، والرمل المذكور بالحجاز هو الرمل الذي عرضه من الشقوق إلى الأجفر ، وطوله من وراء جبلى طيّىء إلى أن يتّصل مشرقا بالبحر ، وهو رمل أصفر ليّن اللمس ، يكاد بعضه يحكى الغبار . وأما تهامة فإنّها قطعة من اليمن وهي جبال مشتبكة ، أولها مشرف على بحر القلزم ، مما يلي غربيّها ، وشرقيّها بناحية صعدة وجرش ونجران ، وشماليتها حدود مكة ، وجنوبيها من صنعاء على نحو من عشر مراحل ، وقد صورت جبال تهامة في صورة ديار العرب ؛ وبلاد خيوان تشتمل على قرى ومزارع ومياه معمورة بأهلها ، وهي مفترشة وبها أصناف من قبائل اليمن ، ونجران وجرش مدينتان متقاربتان في الكبر بهما نخيل ، ويشتملان على أحياء من اليمن كثيرة ، وصعدة أكبر وأعمر منهما ، وبها يتخذ ما كان يتخذ بصنعاء من الأدم ، ويتّخذ بنجران وجرش والطائف أدم كثير ، غير أن أكثر ذلك يرتفع من صعدة ، وبها مجتمع التجار والأموال ، والحسنىّ المعروف بالزيدى بها مقيم ، وليس بجميع اليمن مدينة أكبر ولا أكثر أهلا ومرافق من صنعاء ، وبلغني أنها من اعتدال الهواء بحيث لا يتحوّل الإنسان عن مكان واحد شتاء وصيفا عمره ، وتتقارب بها ساعات الشتاء والصيف ، وبها كانت ديار ملوك اليمن فيما تقدّم ، وبها بناء عظيم قد خرب ، فهو تلّ عظيم يعرف بغمدان كان قصرا لملوك اليمن ، وليس باليمن بناء أرفع منه . والمذيخرة جبل للجعفرى ، بلغني أن أعلاه نحو عشرين فرسخا ، فيها مزارع ومياه ونباتها الورس « 1 » ، وهو منيع لا يسلك إلا من طريق واحد حتى تغلب عليه القرمطىّ ، الذي كان خرج باليمن يعرف بمحمد بن الفضل ، وشبام جبل منيع جدا فيه قرى ومزارع وسكان كثيرة ، وهو مشهور من جبال اليمن . ويرتفع من اليمن العقيق والجزع ، وهما حجران إذا حكّا خرج منهما الجزع والعقيق ، لأن وجه الحجر كالغشاء ، وبلغى أنهما يكونان في صحارى فيها حصى فيلتقط من بين الحجارة . وعدن مدينة صغيرة ، وإنما شهرتها لأنها فرضة على البحر ، ينزلها السائرون في البحر ، وبها معادن اللؤلؤ . وباليمن مدن كثيرة هي أكبر منها وليست بمشهورة . وبلاد الإباضية بقرب خيوان ، وهي أعمر بلاد تلك النواحي مخاليف ومزارع وأغزرها مياها ، وحضرموت في شرقي عدن بقرب البحر ، وبها رمال كثيرة تعرف بالأحقاف ، وحضرموت في نفسها مدينة صغيرة ولها أعمال عريضة ، وبها قبر هود النبي عليه السلام ، وبقرمها بلهوت بئر عميقة لا يكاد يستطيع أحد أن ينزل
--> ( 1 ) نبت أصفر يكون باليمن تتخذ منه العمرة للوجه ؛ وهو يستخدم في الصباغة أيضا قال صاحب اللسان ورست الثوب صبغته بالورس ( اللسان ) .