ابراهيم بن محمد الاصطخري ( الكرخي )

23

المسالك والممالك ( ط مصر )

على شربه ، وليس بجميع مكة - فيما علمته - شجر مثمر إلا شجر البادية ، فإذا جزت الحرم فهناك عيون وآبار وحوائط كثيرة وأودية ذات خضر ومزارع ونخيل ، وأما الحرم فلم أر ولم أسمع أن به شجرا مثمرا ، إلا نخيلات رأيتها بفخّ ونخيلات يسيرة متفرقة ، وأما ثبير فهو جبل مشرف يرى من مني والمزدلفة ، وكانت الجاهلية لا تدفع من المزدلفة إلا بعد طلوع الشمس إذا أشرقت على ثبير ، وبالمزدلفة المشعر الحرام ، وهو مصلى الإمام يصلى به المغرب والعشاء والصبح ، والحديبية بعضها في الحلّ وبعضها في الحرم ، وهو مكان صدّ فيه المشركون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن المسجد الحرام ، وهو أبعد الحلّ إلى البيت ، وليس هو في طول الحرم ولا في عرضه إلا أنّه في مثل الزاوية للحرم فلذلك صار بينها وبين المسجد أكثر من يوم . وأما المدينة فهي أقل من نصف مكة ، وهي في حرّة سبخة الأرض ، ولها نخيل كثيرة ، ومياه نخيلهم وزروعهم من الآبار ، يستقون منها العبيد ، وعليها سور ، والمسجد في نحو من وسطها ، وقبر النبي صلى اللّه عليه وسلم من المسجد في شرقيه قريبا من القبلة ، وهو الجدار الشرقي من المسجد ، وهو بيت مرتفع ليس بينه وبين سقف المسجد إلا فرجة ، وهو مسدود لا باب له ، وفيه قبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقبر أبى بكر وعمر رضى اللّه عنهما ، والمنبر الذي كان يخطب عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم غشّى بمنبر آخر ، والروضة أمام المنبر بينه وبين القبر ، ومصلى رسول اللّه الذي كان يصلى فيه الأعياد في غربى المدينة داخل الباب ، وبقيع الغرقد خارج باب البقيع في شرقي المدينة ؛ وقباء خارج المدينة على نحو من ميلين إلى ما يلي القبلة ، وهو مجمع بيوت للأنصار يشبه القرية ؛ وأحد جبل في شمالي المدينة ، وهو أقرب الجبال إليها على مقدار فرسخين ، وبقربها مزارع فيها ضياع لأهل المدينة توازى « 1 » العقيق فيما بينها وبين الفرع ، والفرع من المدينة على أربعة أيام في جنوبيّها ، وبها مسجد جامع ، غير أن أكثر هذه الضياع خراب ، وكذلك حوالي المدينة ضياع كثيرة وأكثرها خراب ، والعقيق واد من المدينة في قبليها على أربعة أميال في طريق مكة ، وأعذب مياه تلك الناحية آبار العقيق . وأما اليمامة فإنّ مدينتها دون مدينة الرسول ، وهي أكثر تمرا ونخلا من المدينة ومن سائر الحجاز . وأما البحرين فإنها من ناحية نجد ، ومدينتها هجر وهي أكثر تمورا ، إلا أنها ليست من الحجاز ، وهي على شط بحر فارس ، وهي ديار القرامطة ، ولها قرى كثيرة وقبائل من مضر ذوو عدد قد احتفّوها ، وليس بالحجاز مدينة بعد مكة والمدينة أكبر من اليمامة ، ويليها في الكبر وادى القرى ، وهي ذات نخيل كثيرة وعيون ، والجار فرضة المدينة وهي على ثلاث مراحل من المدينة على شط البحر ، وهي أصغر من جدّة ، وجدّة فرضة أهل مكة على مرحلتين منها على شط البحر ، وهي عامرة كثيرة التجارات والأموال ، ليس بالحجاز بعد مكة أكثر مالا وتجارة منها ، وقوام تجارتها بالفرس .

--> ( 1 ) في المخطوطين ب ، ج بوادي .