ابراهيم بن محمد الاصطخري ( الكرخي )

24

المسالك والممالك ( ط مصر )

والطائف مدينة صغيرة نحو وادى القرى ، إلا أن أكثر ثمارها الزبيب ، وهي طيبة الهواء وأكثر فواكه مكة منها ، وهي على ظهر جبل غزوان . وبغزوان ديار بنى سعد وسائر قبائل هذيل ، وليس بالحجاز - فيما علمته - مكان هو أبرد من رأس هذا الجبل ، ولذلك اعتدل هواء الطائف ، وبلغني أنه ربما جمد الماء في ذروة هذا الجبل ، وليس بالحجاز مكان يجمد فيه الماء سوى هذا الموضع فيما علمته . والحجر قرية صغيرة قليلة السكان ، وهي من وادى القرى على يوم بين جبال ، وبها كانت ديار ثمود ، الذين قال اللّه فيهم : ( وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ ) « 1 » ورأيت تلك الجبال ونحتهم ، الذين قال اللّه عنهم : ( وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ ) « 2 » ، ورأيتها بيوتا مثل بيوتنا في أضعاف جبال ، وتسمى تلك الجبال الأثالب ، وهي جبال في العيان متصلة ، حتى إذا توسّطتها رأيت كل قطعة منها قائمة بنفسها ، يطوف بكل قطعة منها الطائف ، وحواليها رمل لا يكاد يرتقى إلى ذروة كل قطعة منها أحد إلا بمشقة شديدة ، وبها بئر ثمود التي قال اللّه في الناقة : ( لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) « 3 » . وتبوك بين الحجر وبين أول الشام على أربع مراحل نحو نصف طريق الشام ، وهو حصن به عين ونخيل ، وحائط ينسب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ويقال إنّ أصحاب الأيكة الذين بعث إليهم شعيب كانوا بها ، ولم يكن شعيب منهم ، وإنما كان من مدين . ومدين على بحر القلزم محاذية لتبوك على نحو من ست مراحل ، وهي أكبر من تبوك ، وبها البئر التي استقى منها موسى عليه السلام لسائمة شعيب ، ورأيت هذه البئر مغطاة قد بنى عليها بيت ، وماء أهلها من عين تجرى لهم ، ومدين اسم القبيلة التي كان منها شعيب ، وإنما سميت القرية بهم ، ألا ترى أنّ اللّه يقول : ( وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً ) « 4 » . وأما الجحفة فإنها منزل عامر ، وبينها وبين البحر نحو من ميلين ، وهي في الكبر ودوام العمارة نحو من فيد ، وليس بين المدينة ومكة منزل يستقل بالعمارة والأهل جميع السنة إلا الجحفة ، ولا بين المدينة والعراق مكان يستقل بالعمارة والأهل جميع السنة مثل فيد ، وفيد في ديار طيّئ ، وجبلا طيئ منها على مسيرة يومين « 5 » ، وفيها نخيل وزرع قليل لطيئ وبها ماء قليل ، يسكنها بادية من طيئ ، ينتقلون عنها في بعض السنة للمراعى ، وجبلة حصن في آخر وادى ستارة ، ووادى ستارة بين بطن مرّ وعسفان عن يسار الذاهب إلى مكة ، وطول هذا الوادي نحو من يومين ، لا يكون الإنسان منه في مكان من بطن هذا الوادي لا يرى فيه نخلا ، وعلى ظهر هذا الوادي واد مثل هذا يعرف بساية وآخر يعرف بالسائرة ، وبجبلة كانت وقعة لبنى تميم في بكر بن وائل ، وفي جرف منها قيل هلك لقيط بن زرارة أخو حاجب .

--> ( 1 ) الآية 9 : سورة الفجر . ( 2 ) الآية 155 : سورة الشعراء . ( 3 ) الآية 149 : سورة الشعراء . ( 4 ) الآية 85 : سورة الأعراف . 84 : هود ( 5 ) تضيف ب ، ج على مسيرة يومين من فيد .