ابراهيم بن محمد الاصطخري ( الكرخي )
178
المسالك والممالك ( ط مصر )
فليس من سكة ولا دار إلا وفيها ماء جار إلا القليل ، وقلّ دار تخلو من بستان ، حتى إنّك إذا صعدت أعلى قهندزها لم تبد المدينة للنظر « 1 » ، لاستتارها بالبساتين والأشجار ، وأكثر الأسواق والتجارات في الربض إلا شيئا يسيرا في المدينة ، وهي فرضة ما وراء النهر ومجمع التجار ، ومعظم جهاز ما وراء النهر يقع بسمرقند ، ثم يتفرّق إلى سائر الكور ، وكانت دار إمارة ما وراء النهر بها إلى أيام إسماعيل بن أحمد فنقلها إلى بخارى ، ولسور ربضها « 2 » أبواب : منها باب غداود وباب إسبسك وباب سوخشين وباب افشينه وباب ورسنين وباب كوهك وباب ريودد باب فرخشيذ ، ويزعم الناس أن تبّعا بنى مدينتها ، وأن ذا القرنين أتمّ بعض بنائها ، ورأيت على باب كشّ صفيحة من حديد قد كتب عليها كتابة زعم أهلها أنها بالحميريّة ، وأنهم يتوارثون علم ذلك بأنه بناء تبّع ، وكتب عليه أن من صنعاء إلى سمرقند ألف فرسخ ، وأن كتابته من أيام تبّع ، فوقعت فتنة بسمرقند في أيام مقامي بها ، وأحرق الباب وذهبت الكتابة ، وأعاد ذلك الباب أبو المظفّر محمد بن لقمان بن نصر بن أحمد بن أسد كما كان من حديد من غير تلك الكتابة ، وتربة سمرقند من أصح تربة وأيبسها ، ولولا كثرة البخارات من المياه الجارية في سككهم ودورهم وكثرة أشجار الخلّاف بينهم لأضرّ بهم فرط يبسها ، وبناؤها طين وخشب ، وأهلها يرجعون إلى جمال بارع ورزانة ، وهم من الإفراط في إظهار المروّة وتكلّف القيام على أنفسهم ما يزيدون على سائر بلاد خراسان ، حتى يجحف ذلك بأموالهم . وبسمرقند مجمع رقيق ما وراء النهر ، وخير الرقيق بما وراء النهر تربية سمرقند ، وبينها وبين أقرب الجبال « 3 » نحو مرحلة خفيفة ، إلا أنه يتصل بها جبل صغير يعرف بكوهك ، يمتد طرفه إلى سور سمرقند ، وهو مقدار نصف ميل في الطول ، ومنه أحجار بلدهم ، والطين المستعمل في الأواني والنورة والزجاج وغير ذلك ، وبلغني أن به « 4 » ذهبا وفضة غير أنه لا يتسوّغ العمل فيه . والبلد كله طرقه ومحالّه وسككه إلا قليلا مفترش بالحجارة ، ومياههم من وادى السغد ، وهذا الوادي مبدؤه من جبال البتّم على ظهر الصغانيان ، وله مجمع ماء يعرف بجن « 5 » مثل بحيرة حواليها قرى ، وتعرف الناحية ببرغر « 6 » ، فينصب منها بين جبال حتى ينتهى إلى بنجيكث « 7 » ، ثم ينتهى إلى مكان يعرف بورغسر « 8 » وتفسيره راس السكر ، ومنه تتشعب أنهار سمرقند ، ورساتيق تتصل بها من غربىّ الوادي من جانب سمرقند . فأما أنهار الجانب الشرقىّ على الوادي فإنها
--> ( 1 ) في ا : راس البصر . ( 2 ) في ا : الربض . ( 3 ) تزيدا : إليها . ( 4 ) في ا : بها . ( 5 ) في معجم البلدان لياقوت ( مادة صغد ) قال [ وله مجمع ماء يقال له وى مثل البحيرة ] وهو هنا ينقل عن الإصطخرى ولا ندري في أيهما التحريف . ( 6 ) أرض لنوع من الترك ويذكر ياقوت في معجم البلدان أن ملكهم أسلم سنة 332 ه أيام المقتدر ( 7 ) تسمى الآن بنجكت . ( 8 ) يقول المقدسي في أحسن التقاسيم ص 279 أنه اسم الرستاق .