ابراهيم بن محمد الاصطخري ( الكرخي )
163
المسالك والممالك ( ط مصر )
في الملاهي وما لا يرضاه اللّه ، وإلى المنافسات فيما بينهم في الأشياء المذمومة إلا القليل ، وترى الغالب على أهل الأموال بما وراء النهر صرف نفقاتهم إلى الرباطات وعمارة الطرق والوقوف على سبيل الجهاد ووجوه الخير إلا القليل منهم ، وليس من بلد ولا منهل « 1 » ولا مفازة مطروقة ولا قرية آهلة إلا بها من الرباطات ما يفضل عن نزول من طرقه ، وبلغني أن بما وراء النهر زيادة على عشرة آلاف رباط ، في كثير منها إذا نزل النازل أقيم علف دابّته وطعام نفسه إن احتاج إلى ذلك ، وقلّ ما رأيت خانا أو طرف سكة أو محلّة أو مجمع ناس في الحائط بسمرقند يخلو « 2 » من ماء جمد مسبّل ، ولقد أخبرني من يرجع إلى خبره أن بسمرقند « 2 » في المدينة وحائطها فيما يشتمل عليه السور الخارج زيادة على ألفي مكان ، يسقى فيها ماء الجمد مسبّلا ، من بين سقاية مبنيّة وجباب منصوبة . وأما بأسهم وشوكتهم فإنه ليس في الإسلام ناحية أكبر حظا في الجهاد منهم ؛ وذلك أن جميع حدود ما وراء النهر إلى دار « 3 » الحرب . أما من خوارزم إلى ناحية إسبيجاب فهم الترك الغزية ، ومن إسبيجاب إلى أقصى فرغانة الترك الخزلجيّة ، ثم يطوف بحدود ما وراء النهر من السنديّة « 4 » وبلد الهند من ظهر « 5 » الختّل إلى حدّ الترك في ظهر فرغانة ، فهم القاهرون لأهل هذه النواحي ، ومستفيض أنه ليس في الإسلام دار حرب هم أشد شوكة من الترك ، فهم ثغر المسلمين في وجه الترك ، يمنعونهم من دار الإسلام ، وجميع ما وراء النهر ثغر ؛ يبلغهم نفير العدو ، ولقد أخبرني من كان مع نصر بن أحمد رحمه اللّه في غزاة شاوغر ، أنهم كانوا يحزرون ثلاثمائة ألف ، وأن أربعة آلاف رجل انقطعوا عن العسكر « 6 » ، فضلّوا أياما قبل أن يتهيأ لهم الرجوع ، وما كان منهم من غير أهل « 7 » ما وراء النهر كثير عدد يعرفون بأعيانهم ؛ وبلغني أن المعتصم كتب إلى عبد اللّه بن طاهر كتابا عرض يتهدّده « 8 » فيه ، وأنفذ الكتاب إلى نوح بن أسد ، فكتب إليه « 9 » أن بما وراء النهر « 9 » ثلاثمائة ألف قرية ، وليس من قرية إلا يخرج « 10 » منها فارس وراجل ، لا يبين على أهلها فقدهم ؛ وبلغني أن بالشاش وفرغانة من الاستعداد ما لا يوصف مثله عن ثغر من الثغور ، حتى إن الرجل الواحد من الرعية عنده من بين مائة دابة إلى خمسمائة « 11 » وليس بسلطان ، وهم على بعد دارهم أوّل سابق إلى الحج ، لا يدخل البادية قبلهم أحد ، ولا يخرج منها بعدهم أحد ، وهم مع ذلك أحسن الناس طاعة لكبرائهم ، وألطفهم خدمة لعظمائهم وفيما بينهم ، حتى دعا ذلك الخلفاء إلى أن استدعوا
--> ( 1 ) في ا : منهل ( 2 ) ساقط من ا ( 3 ) في ا : دور ( 4 ) في م : السفينة وفي ا : الصغدية والتصويب عن المقدسي في أحسن التقاسيم ص 290 واليعقوبي ص 289 . ( 5 ) في ا : من حد ظهر ( 6 ) في ا : عسكره . ( 7 ) زيادة عن ا . ( 8 ) في م : تهدده وفي ا بتهديده والتصويب عن C يؤيده ياقوت الحموي في معجم البلدان . ( 9 ) هنا خرق في ا . ( 10 ) في م : خرج والتصويب عن ا ، C ( 11 ) في المخطوطات : من بين ، والصواب ما بين ، هذا وفي ا خمسمائة دابّة .