ابراهيم بن محمد الاصطخري ( الكرخي )
164
المسالك والممالك ( ط مصر )
مما وراء النهر رجالا « 1 » ، وكانت الأتراك جيوشهم ، لفضلهم على سائر الأجناس في البأس والجرأة والشجاعة والإقدام ؛ ودهاقين ما وراء النهر قوّادهم وحاشيتهم وخواصّ خدمهم - للطفهم في الخدمة وحسن الطاعة والهيئة في الملبس والزي السلطانىّ - فصاروا حاشية الخلافة وثقاتهم ورؤساء عساكرهم « 2 » ، مثل الفراغنة والأتراك الذين هم شحنة دار الخلافة ، والأتراك الذين كانوا لبأسهم ونجدتهم غلبوا على الخلافة مثل الأفشين وآل أبي الساج - من أشروسنة ، والإخشيد من سمرقند ، والمرزبان بن تركسفى وعجيف بن عنبسة من السغد ، والبخارا خذاه وغيرهم من أمراء الحضرة وقوادها وجيوشها ؛ والملوك على هذا الإقليم وعلى سائر خراسان آل سامان ، وهم من أولاد بهرام جوبين الذي سار « 3 » ذكره في العجم بالبأس والنجدة ، فلمثل هذه الأسباب ليس في الإسلام ملك أمنع جانبا ولا أوفر عدة ولا أكمل أسبابا للملك منهم ، لأنه ليس في الإسلام جيش إلا وهم شذّاذ القبائل والبلدان والأطراف ، إذا تفرقوا في هزيمة وتمزّقوا في حادثة لم يلتق منهم جمع بعد « 4 » غير جيش هؤلاء الملوك ، فإن جيوشهم الأتراك المملوكون ، ومن الأحرار من يعرف داره ومكانه ، إذا قتل منهم قوم أو ماتوا ففي وفور عددهم ما يعاض « 5 » من بين ظهرانيهم مثلهم ، وإن تفرقوا في حادثة تراجعوا كلّهم إلى مكان واحد ، فلا يقدح فيهم ما يقدح في سائر عساكر الأطراف « 6 » ، ولا سبيل لهم إلى التفرّق في العساكر والتنقّل في الممالك ، كما يكون عليه رسوم صعاليك العساكر وشحنة البلدان ؛ ولقد خرج بارس غلام لإسماعيل بن أحمد رحمه اللّه في فتنة عبد اللّه ابن المعتز ، هاربا من أحمد بن إسماعيل رحمه اللّه ، فخرج في عدّة هالت الخلافة ، وظهر أثرها بقدومه من العدد والآلة والكراع والسلاح ، ولم يكن بحضرة « 7 » الخلافة جيش مثله ، وإنما كان عبدا للسّمانيّة لم يتبين « 8 » على أهل خراسان فقده ، وليس في بلدان الإسلام ملوك قد أعرقوا في الملك يتوارثونه بينهم « 9 » من أيام العجم مثلهم ، وقد بيّنا أيام آل سامان في صفة فارس لأنهم من الفرس ، فبيّنا مكانهم من فارس وسبب وقوعهم إلى خراسان ، وجوامع من سيرتهم « 10 » وأيامهم مما يغنى عن إعادته . وأما نزاهة ما وراء النهر فإني لم أر - ولا بلغني في الإسلام - بلدا أحسن خارجا من بخارى ، لأنك إذا علوت قلعتها « 11 » لم يقع بصرك من جميع النواحي إلا على خضرة ، تتصل خضرتها بلون السماء ، فكأنّ السماء بها مكتبة خضراء مكبوبة على بساط أخضر ، تلوح القصور فيما بينها كالنوائر فيها ، وأراضي ضياعهم مقوّمة بالاستواء
--> ( 1 ) في م : رجالها والتصويب عن ا ( 2 ) في ا : عسكرهم ، وفي م : الزىّ السلطانية . ( 3 ) في ا : شهر . ( 4 ) في م بعده ( 5 ) في م : يعاد . ( 6 ) في ا : في غيرهم من العساكر . ( 7 ) في ا : في عصر الخلافة . ( 8 ) في ا : لم يبن على جيش خراسان فقده ( 9 ) زيادة عن ا . ( 10 ) في ا : سيرهم . ( 11 ) في ا : قهندزها .