أحمد بن يحيى العمري
98
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
ومائتين ، وبويع له برقادة يوم الخميس الموفي بعشرين من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين ، وهو ابن سبع وثلاثين سنة ، وهو باني المهدية وغيرها ، ولما ظهر أمر الشيعي القائم بالمغرب بدعوته ، جعل الخليفة عليه عيونا بمصر ، فوقع المهدي بمصر في زي التجار بيد صاحبها عيسى النوشري « 1 » ، فقال له : أنت الذي طلبه أمير المؤمنين ؟ فقال : إنما أنا رجل تاجر ، فاتق الله في دمي ، فخلى سبيله ، فخرج في قافلة يريد أفريقية ، ثم أنه فقد كلبا كان يصيد به ، فرجع في طلبه ، وإن صاحب مصر ندم على تخليته ، فخرج في طلبه فإذا [ هو ] راجع في طلب كلبه ، فقال : لو كان هذا هو المطلوب لطلب النجاة لنفسه ، ولم يرجع في طلب كلب ، فانصرف وتركه ، فسار حتى نزل [ ص 49 ] طرابلس ، وكان زيادة الله بن الأغلب قد أرصد عليه عيونا ، فخاف عبيد الله على نفسه ، فأخذ طريق قصطيلية حتى أتى سجلماسة في يوم الأحد السابع من صفر ستة وتسعين ومائتين ، ومعه ابنه أبو القاسم محمد القائم ، فوشى به واش إلى صاحبها اليسع بن مدرار ، فأحضره بين يديه واستفهمه عن حاله ، فقال : أنا رجل تاجر ، فقال له : لا إنما أنت المهدي الذي يدعو إليه هذا الشيعي ، فأظهر البراءة منه ، وأنكر ذلك ، فجعله في دار ورسم به ، وأجرى عليه الأرزاق ، وبلغ الشيعي خبره ، فبعث أبا زاكي بمال وطرف من طرف الملوك ، فأوصلها إليه مستخفيا ، وسلم عليه ثم رجع إلى الشيعي فأعلمه بصحة الخبر ، فسار إلى سجلماسة بجيوشه حتى استخرجه منها ، كما تقدم ذكره ، ثم ما زال يكلأه حتى تم أمره ، وانقاد له الملك عنوة ، وركب من منابره الغارب والذروة ، وأطاعه الناس رهبا ورغبا ، وبايعه
--> ( 1 ) عيسى النوشري : أبو موسى ، من ولاة الدولة العباسية المقدمين ، استعمله المنتصر على دمشق ، ثم ولي عدة ولايات ، ولما انقرضت الدولة الطولونية بمصر ولاه المكتفي بالله إمارة مصر ، كان شجاعا عارفا بتدبير الأمور ، ولم يزل في ولاية مصر إلى أن توفي سنة 297 ه . ( النجوم الزاهرة 3 / 145 ، الولاة والقضاة ص 258 - 262 )