أحمد بن يحيى العمري

84

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

مرّ به مارّ قال له : هذه صورة فاكسرها ، فلا يجيبه ، ويقول : لعل لهذه صاحبا إذا كسرتها طالبني بثمنها ، إلى أن مرّ به مغربي من أهل الجبل الذي آوى إليه ، فلما قال له ما تأبّى أن كسرها وما تأتّى ، فقال ابن تومرت : هؤلاء أريد لسرعة تلقيهم لما يقال لهم بالقبول ، وترك القائل لهم وما يقول ، وقضيته معروفة لم يخل منها مجالسة جليس ، ولا مؤانسة أنيس ، ولا سمع مرءوس ولا رئيس لما فيها من دقائق التلطف في المراد ، والتوصل إلى ما في النفس والتهيؤ « 1 » للاستعداد ، بهمة تقسر المآرب ، وتعتذر على المطالب ، وكان ابن تومرت واحد زمانه ، وفريد عصره حتما وحزما وعزما وجزما وعلما [ ص 39 ] وحلما وعدلا ، لا يدع ظلما ولا جورا ، إلا ما يسمى في عيون الغيد حورا ، ويدعى في ريق الغواني ظلما ، مع الزهد والورع والقنع ، ولو شاء لما اقتنع ، والعفاف وما تلبس منه وادّرع ، وكان لا يمل صاحبه ولا يسأمه ، ولو تركه مغيرا لوجه ساحبه . قال مؤلف الكنوز : كان ربعة قصفا « 2 » أسمر عظيم الهامة حديد النظر ، كثير الإطراق سجّاعا عالما ، مقبلا على العبادة ، لا يصحبه من متاع الدنيا إلا عصا وركوة « 3 » ، ومن الأشعار لابن العديم قال : لحق إلى المشرق ولقي الغزالي « 4 » وأخذ معه فيما يرومه فصعّبه عليه ، وقال له : لو كان هذا أمرا ممكنا لما سبقت إليه ، فلما خرج الغزالي رحمه الله لوداعه قال ابن تومرت فيه :

--> - بمكة ، فهي عقبة بين منى ومكة بينها وبين مكة نحو ميلين وعندها مسجد وعندها ترمى جمرة العقبة ( ياقوت : العقبة ) ( 1 ) في الأصل : التهئ . ( 2 ) الربعة : الوسيط القامة ، القصف : الأهيف الرشيق . ( 3 ) الركوة : إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء ، والدلو الصغير ، والجمع ركاء . ( 4 ) الغزالي : أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي ، حجة الإسلام ، فيلسوف متصوف له نحو مائتي مصنف ، توفي سنة 505 ه .