أحمد بن يحيى العمري

85

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

[ المتقارب ] أخذت بأعضادهم إذ نأوا * وخلّفك القوم إذ ودّعوا فكم أنت تنهى ولا تنتهي * وتسمع وعظا ولا تسمع فيا حجر الشحذ حتى متى * تسنّ الحديد ولا تقطع قال : وأقام بمكة مدة يلاحظ أقدام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويتمثل طريقته ، وينسج على منواله ، فأخذ نفسه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكان قد اطلع على الجفر « 1 » ، وعلوم أهل البيت ، وأتى مراكش فرأى زينب بنت أمير المسلمين علي بن تاشفين « 2 » ، وحولها جوار لها يرفلن بالحلي والحلل ، وهن حاسرات ، فأنكر عليهن وضربهن بعصاة ، فلما بلغ هذا أباها ، عقد له مجلسا ، وجمع فيه العلماء وأحضره ، فتكلم بكلام أنكى به ابن تاشفين ، فأشار عليه مالك بن وهب بسجنه ، وقال : هذا لا يجري منه خير على الدولة ، فقام الوزير وقال : هذا أضعف من أن يخاف منه ، فخلصه الله منه ، فقال لأصحابه : إن ابن وهب لا يبرح يضرب الأمثال فينا لعلّي حتى يبدو له رأي آخر ، والرأي أن يعتصم بالجبل ، فصعدوا إلى درن « 3 » وبايعه أصحابه على أنه

--> ( 1 ) الجفر : علم يبحث فيه عن الحروف ودلالتها على أحداث العالم . ( 2 ) ابن تاشفين : علي بن يوسف بن تاشفين اللمتوني ، أمير المسلمين بمراكش ، وثاني ملوك دولة الملثمين المرابطين ، ولد بسبتة وبويع بعد وفاة أبيه سنة 500 ه بعهد منه ، ملك من البلاد ما لم يملكه أبوه لأن البلاد كانت ساكنة والأموال وافرة والرعايا آمنة بانقطاع الثوار واجتماع الكلمة ، كان حليما وقورا صالحا عادلا ، وفي أيامه ظهر محمد بن عبد الله المهدي ابن تومرت فعجز عن دفع فتنته ، واضطربت أموره ، فمات غما في مراكش ، ولم يشهر خبر موته إلا بعد ثلاثة أشهر منه سنة 537 ه . ( الحلل الموشية ص 61 - 90 ، الاستقصاء 1 / 123 - 126 ، رقم الحلل ص 53 ، جذوة الاقتباس ص 291 ) ( 3 ) درن : جبل من جبال البربر بالمغرب ، فيه عدة قبائل وبلدان وقرى . ( ياقوت : درن )