أحمد بن يحيى العمري

83

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

همّته لا تحدثه بما دون النجم ، وعزمته لا يلين عودها بالعجم ، أبصر بمقاصده [ من ] زرقاء اليمامة ، وأجدى على مؤمّله من أنواء الغمامة ، وكان قد ساح في الأرض ورأى دنسها ، وشمّر ذيله لما عرف نجسها ، فأورد [ ص 38 ] خيله المجرّة « 1 » ، وصعد أبنية البروج المشمخرّة ، ونازع النجوم في رتبها ، ونصل سها « 2 » بشهبها ، وافترس الأسد بالأسد ، واقتبس جمرة المريخ في سنان ذابله وقد وقد ، وكان قد قدم الصعيد في الدولة العبيدية ، والرفض « 3 » قد ملأ الملا واعتلى العلى ، وعم الديار المصرية ، حتى طبق مفاصلها وطرّق بالبدعة الشنيعة مواصلها ، فنزل بمسجد هناك ، رأى مكتوبا عليه : ( لعن الله الصحابة ) رضوان الله عليهم ، فنزله ، وهو من الحق تغلي مراجله ، وود لو قد يساور كاتبه ويعاجله ، فكتب عليه : [ البسيط ] إني وفي النفس أشياء مخبّأة * لألبسنّ لها درعا وجلبابا حتى أطهّر هذا الدين من نجس * وأوجب الحقّ للسادات إيجابا والله لو ظفرت كفّي ببغيتها * ما كنت عن ضرب أعناق الورى آبى ثم قام وهو لا يتهدّى ولا يعرف أي بحر يجاوره ويتعدّى ، ثم أتى مكة وشهد الموسم بمنى ، وشاهد من فيه الغناء لا الغنى ، واتخذ لعبة من الزجاج المذهب ووضعها على جمرة العقبة « 4 » ، وقعد أيامها وعينه مرتقبة ، وبقي كلّ ما

--> ( 1 ) المجرة : مجموعة كبيرة من النجوم تركزت حتى تراءت من الأرض كوشاح أبيض يعترض السماء . ( 2 ) السها : كوكب صغير خفي الضوء في بنات نعش الكبرى أو الصغرى ، وفي المثل : ( أريها السها وتريني القمر ) . والأسد والمريخ : من أسماء البروج . ( 3 ) الرفض : من الرافضة فرقة من الشيعة تجيز الطعن في الصحابة ، والرافضي : من يذهب مذهب الرافضة . ( 4 ) جمرة العقبة : الجمرة الحصاة التي ترمى ، والعقبة هي التي بويع بها النبي صلى الله عليه وسلم -