أحمد بن يحيى العمري

77

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

[ وكانت ضغينة ] على أخيه « 1 » في صدره منه يجدها ، ومحنة تقدمت له به لا يجحدها ، فإنه كان هو المقدم لابن أخيه ، فأسرّها له في نفسه ضغينة حقدها ، ونيّة أقبرها له في باطنه وألحدها ، وطاوله بها إلى السنة الثالثة ، ثم قتله ، وأنزل به الحادثة ، وكان ذلك في يوم عيد الفطر سنة ثلاث وثلاثين وأربع مائة [ ص 33 ] فأشام عيده ، وشام من بارق المهند وعيده ، بعد أن استخرج منه أموالا بسط عليه في المطالبة فيها أنواع العذاب المهين ، وأبرز له فيها كوامن الداء الدفين ، ثم بايعه أهل غرناطة ، وبلاد أخرى من الأندلس ، وانقادت له بطاعة قلوبها ، وعقد نياتها التي بين جنوبها ، فثبّت المملكة وشد أواصرها ، ورفع قصورها ومقاصرها ، ورد كيد عدوها في نحره ، وأغرق راكب ثبج العزاء « 2 » في نحره ، وعدل في أحوال الرعية ، وجبى الأموال وقسمها بالسوية ، ثم توفي في جمادى الأولى « 3 » سنة أربع وثلاثين وأربع مائة ، وكانت مدتها أربع سنين كأنها يوم واحد ، لأسف الناس على قصر مدتها وطيبها ، وأوقاتها التي كأنما غربت شمس النهار بغروبها ، ولم يترك من ورثته إلا ولدا صغيرا « 4 » ، فاعتقله نجا الصقلبي ، وغلب على مالقة وأعمالها ، واستبد بتدبير المملكة ، إلى أن شحط بها قتيلا في دمه ، ووضع رأسه الشامخ تحت مواطئ قدمه . حكي أن بعض ندماء المستنصر حضر إليه ، واليوم قد طرّ بالليل شارته ، والأصيل قد كرع في الراح شاربه ، والشمس قد اعتلت وما بها سقم لشلوه ، والنهار قد قارب وحضر عود النجوم ليبكوه ، فدام عنده في جنة تنعم في وطوفها ، ومنة تكرم بصنوفها ، حتى أقبل الليل ثم ذهب ، وأطوله كاللمح

--> ( 1 ) نقص في الأصل ، وما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها السياق . ( 2 ) ثبج الشيء : وسطه إذا تجمع وبرز ، والعزاء : الأرض الصلبة . ( 3 ) في الأصل : جمادى الأول . ( 4 ) في الأصل : إلا أخا صغيرا إلا ولدا ، ولعلها : إلا ولدا صغيرا .