أحمد بن يحيى العمري
50
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
الصفح ، فلما دخلوا على هذه الهيئة ، والخلائق تضج بالبكاء ، فعوملوا بكل حسنى ، فلما بلغ ذلك أبا عزيز ، كان يقول : لعن الله أول رأي عند الغضب ، وتوفي أبو عزيز في عز سلطانه بمكة ، سنة سبع عشرة وست مائة ، وكانت مدته نحو تسع عشرة سنة ، وهي السنة التي استولى فيها المسعود بن الكامل على مكة ، وفر منها أمامه إمامها حسن بن أبي عزيز « 1 » ، وكان قد واطأ جارية لأبيه ، حتى أدخلته إليه فخنقه ، وأعانته الجارية ، لأنها كانت قد طمعت منه بمال وعدها ، وآمال جحدها ، وخرج فقعد مكان أبيه والقلوب منه نافرة ، والنفوس له عن البغضاء سافرة ، وأكبّ عليه أخوه راجح بن أبي عزيز ووجوه الأشراف ، أمير الركب العراقي ، في حين قدم وقال كل منهم فيه بما علم ، فغلق أبواب مكة وجمع للامتناع ، ثم انسلّ من الجمع فريدا ونسل من جناح بني أبيه في البر المقفر طريدا ، وأتى بغداد فمرض بها ، وكان لا يزال يرى أباه يتردد إليه في منامه ، ويضع يده في خناقه ، فينتبه مذعورا ، ويسمعه من معه في البيت يصيح وهو كالمتخبط ، ويقول : بالله لا تفعل ، ومات سنة ثلاث وعشرين وست مائة ، وقام بعده أخوه راجح بن أبي عزيز « 2 » ، وكان لوفور عقله راجحا ، ولحسن فعله حيث
--> ( 1 ) حسن بن أبي عزيز : هو حسن بن قتادة بن إدريس العلوي الحسني ، أمير مكة وأحد الفتاك العتاة ، أرسله أبوه مع عسكر بقيادة عم له للاستيلاء على المدينة ، فقتل عمه في الطريق ، وعاد إلى مكة فخنق أباه ، وكان له أخ ينوب عن أبيه بقلعة ينبع ، فاستحضره وقتله ، واستقر في ملك مكة سنة 618 ه ، ونازعه أخوه ( راجح ) مستعينا بأمير الحاج ، فظفر الحسن بأمير الحاج وقتله ، ثم قتل أخاه راجحا ، ولم تحمد سيرته فتفرق عنه أعمامه وكثير من أنصاره ، وهاجمه الملك المسعود بن الكامل ( صاحب مصر ) سنة 620 ه ففر الحسن إلى الشام والجزيرة والعراق ، ودخل بغداد فمات فيها سنة 623 ه . ( ابن الوردي 2 / 143 ، خلاصة الكلام ص 24 ، دائرة معارف البستاني 7 / 41 ) ( 2 ) راجح بن أبي عزيز : هو راجح بن إدريس بن مطاعن ، شريف ممن تولوا إمارة مكة ، انتزعها من عمال مصر سنة 627 ه واستعادوها منه ، وتوالى ذلك مرارا ، حتى وليها ثماني مرات ، وكان مواليا لبني رسول أصحاب اليمن ، وساعده عمر بن علي على امتلاكها أول مرة ، وحفلت أيامه -