أحمد بن يحيى العمري
121
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وحمله أوق أثقاله « 1 » ، وقلده طرق أعماله ، وسوّغه فوق ما في احتماله ، ثم قتله على يد ابن امرأته عباس بن تميم الصنهاجي واستبدله عوضه ، وألقى إليه أمر الملك وفوّضه ، ثم كلف الظافر بابن وزيره وشغف به شغفا حل في شغاف ضميره ، فكان لا يرى السرور إلا في مداناته ، ولا الراحة إلا في الوجد به ومعاناته ، ثم حفر سرابا « 2 » [ ص 65 ] بين داريهما ، وكانا فيه يلتقيان ويفعلان وما يبقيان ، وشاع خبرهما ، وبقي الوزير منكس الرأس لا يرفع طرفا حياء ، ولا يجد الدنيا عليه إلا ظلاما لا ضياء ، فأعمل في اغتياله الحيل ، وأسرع إليه ، وما طالت به الطّيل ، وتوصل إليه بابنه فقتله ، واتخذ ذلك السراب موضع دفنه . ومن الكنوز : إنه لما تم لعباس الأمر في قتل الظافر ركب القصور وقال : بلغني أن أخوي الظافر يوسف وجبريل ، وابن أخيه أبا البقاء بن حسن بن الحافظ قتلوه بمواطأة مفلح زمام القصر ، ثم أحضرهم وضرب أعناقهم ، وحمل من القصر ما أراد ، ولم يخف عن الناس أنها من فعلاته ، وصنعت المراثي فيهم واستنجد بابن رزّيك وهو يمنيه ابن خصيب ، وممن كتب إليه في هذا الجليس بن الحباب . وحكي أن عباسا جلس للمنادمة ، فلما أخذت الكأس منه قال : تبّا لمن يعتقد إمامة هؤلاء ، ويقول إنه لا يكون إمام إلا بوصية ، والله لقد قتلت الظافر ولا علم عنده بذلك حتى يوصي ، ولقد استعرضت أقاربه كالغنم إهانة وذبحا ، وقدمت هذا الملقب بالفائز وعمره خمس سنين ، وعلى يدينا ذهبت دولتهم بالمغرب ، وكذلك تذهب بالمشرق ، فقتله الله وقتل ولده بالظافر ، وكان قتله في نصف المحرم سنة تسع وأربعين وخمس مائة ، ومدة خلافته خمس سنين وستة أشهر وأيام .
--> ( 1 ) الأوق : الثقل والشؤم . ( 2 ) السرب : المسلك في خفية ، وحفير تحت الأرض لا منفذ له ، وفي التنزيل العزيز : ( فاتخذ سبيله في البحر سربا )