أحمد بن يحيى العمري
373
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
واعلم أن هذا المذكور إنما هو في بعض الجبال والأماكن المكتسبة ما ذكرنا ، أما الجبال الأصول التي قال الله تعالى في حقها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ فتلك أصول وقواعد لا تتغير للحكمة المودعة فيها ، التي لولاها لكانت الأرض متحركة . وقال بعضهم : لولا الجبال لكان وجه الأرض مستديرا ، وكان ماء البحار يغطيها من جميع جهاتها ، وأحاط بها الهواء بالماء ، وبطلت الحكمة في المعادن والنبات والحيوان . وقال بعضهم : الجبال سبب لوجود الأنهار السائحة على وجه الأرض الذي هو مادة حياة النبات والحيوان ، وذلك لأن سبب هذا الماء هو انعقاد البخار في الجو سحابا . والجبال الشامخة الطوال الأصول على بسيط الأرض شرقا وغربا ويمينا وشمالا تمنع الرياح أن تسوق البخار ، بل يجعلها منحصرة بينها ، حتى يحلقها برد الشتاء ، فيصير مطرا وثلجا ، فلو فرضت الجبال غير مرتفعة عن وجه الأرض لكانت الأرض كرة لا غور فيها ولا نتوء ، فالبخار المرتفع لا يبقى في الجو « 1 » منحصرا إلى وقت يضربه البرد ، بل يتحلل ويستحيل هواء ، فلا يجري الماء على وجه الأرض إلا قدر ما ينزل من المطر ، ثم تنشفه الأرض ، فكان يعرض من ذلك أن النبات والحيوان يعدم لعدم الماء في الصيف عند شدة الحاجة إليه ، كما في البوادي البعيدة والمغارات المعطشة ، فاقتضى التدبير الإلهي وجود الجبال لحصر البخار المرتفع من الأرض بين أغوارها ، ويمنعه من السيلان ، ويمنع الرياح أن تسوقها كما يمنع السّكر « 2 » الماء فيبقى فيها محفوظا إلى أن يلحقه البرد زمان
--> ( 1 ) : في الأصل : الحصو . ( 2 ) : السكر : السد يسد به النهر .