أحمد بن يحيى العمري

374

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

الشتاء ، فيجمده ( 219 ) ويعصره فيصير ماء ، ثم ينزل مطرا وثلجا . والجبال في أجرامها مغارات وأهوية وأوشال وكهوف ، فتقع على قللها الأمطار والثلوج ، فتنصب إلى تلك المغارات والأوشال ، فتبقى مخزونة ، ويخرج من أسافلها ضيقة ، وهي العيون ، فيسيح منها الماء على وجه الأرض ، فيحيي به العباد والبلاد ، وما فضل ينصب إلى البحر . فإذا فني ما في الجبال من المياه النازلة فيها من الأمطار لحقها نوبة الشتاء فعادت إلى ما كانت ، ولا تزال هكذا دائبا إلى أن يبلغ الكتاب أجله ، فسبحان من لا يطلع على دقائق حكمته ومصنوعاته إلا هو . فإذا وقعت الأمطار والثلوج على الجبال تنصب الأمطار إلى المغارات ، وتذوب الثلوج ، وتفيض إلى الأودية التي في الجبال ، فتبقى مخزونة فيها وتمتلئ الأوشال منها في الشتاء ، فإذا كان في أسافل الجبال منافذ ضيقة تخرج المياه من الأوشال في تلك المنافذ ، فيحصل منها جداول ، وتجتمع بعضها إلى بعض ، فيحصل منها أودية وأنهار ، فإن كانت تلك المياه في أعالي الجبال يستمر جريانها أبدا ، لأن مياهها تنصب إلى سفح الجبال ، ولا تنقطع ماديتها لوصول مددها من الأمطار ، وإن كان في أسافل الجبال فتجري منها الأنهار عند وصول مددها ، وتنقطع عند انقطاع المدد ، وتبقى المياه فيها واقفة كما ترى من الأودية التي تجري في بعض الأيام وتنقطع عند انقطاع مادتها . قال صاحب جغرافيا « 1 » : إن في هذا الربع المسكون مقدار مائتين وأربعين نهرا طوالا ، منها ما طوله من خمسين فرسخا إلى مائة فرسخ ، إلى ألف فرسخ ، فمنها

--> ( 1 ) : مؤلف كتاب ( جغرافيا ) هو كلوديوس بطليموس ( توفي سنة 168 م ) ، وقد ثبت فيه أسماء المدن والأماكن على خرائط عن العالم القديم مرتبة بحسب خطوط الطول والعرض ، وألحق به خرائط وجداول عديدة ، فأصبح بذلك من أهم المصادر الجغرافية في عصره والعصور التالية ، وقد ترجمه إلى العربية ثابت بن قرة ، واعتمد مادته الجغرافيون العرب .